الشبكة المغاربية ...لمكافحة التشيع والتصوف والتنصير

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ،

عزيزي الزائر أهلا و سهلا بك في منتداك و منتدى الجميع ، الشبكة المغاربية لمكافحة التشيع والتصوف والتنصير التي هي لجميع الناس لدعوتهم بالحكمة و الموعظة

الحسنة إلى الإسلام الصحيح .

فهيا سجل معنا في منتداك لتعيننا على الدعوة في سبيل الله و على نشر دينه و على نصرة نبيه و نصرة الإسلام و المسلمين .

المواضيع الأخيرة

» هل أُريد بحديث الغدير النص على عليٍّ بالإمارة والخلافة؟ وما حقيقة قصة الغدير؟
الخميس فبراير 27, 2014 2:48 am من طرف آكسل

» اوضح لنا معتقدك يا رافضي - يا شيعي
الخميس فبراير 27, 2014 2:09 am من طرف آكسل

» هذا بعض ما قاله سيدنا علي في حق الصحابه يا شيعه
الخميس فبراير 27, 2014 2:05 am من طرف آكسل

» حوار عقلاني مع جاري ؟
الأربعاء فبراير 26, 2014 7:57 pm من طرف fergani

» التوحيد 000
الثلاثاء سبتمبر 03, 2013 12:23 pm من طرف أبن العرب

» حتى لا تكون فتنة : وجود الشيعة في المغرب العربي
الإثنين يناير 21, 2013 10:18 pm من طرف أبن العرب

»  الإمام مالك رحمه الله وموقفه من الرافضة
الخميس نوفمبر 08, 2012 7:46 pm من طرف عثمان الخميس

» علي بن أبي طالب هو الذي هدى كل الأنبياء وهو الذي نجى نوح وصاحب ابراهيم _وثيقة_
الخميس نوفمبر 08, 2012 7:33 pm من طرف عثمان الخميس

»  علماء الراقظة يفترون الكذب على الله عز وجل : من عصى الله وأطاع علي يدخل الجنة ومن أطاع الله وعصى علي يدخل النار ؟؟؟ وثيقة
الخميس نوفمبر 08, 2012 7:18 pm من طرف عثمان الخميس

» الشناوي وحفيد مبغض آل البيت... مامعنى ولي مولى و ولاية ؟؟
الجمعة نوفمبر 02, 2012 5:14 pm من طرف عثمان الخميس

سحابة الكلمات الدلالية

صوت المغاربة

عدد الزوار

.: أنت الزائر رقم :.

اخترنا لك

تدفق ال RSS


Yahoo! 
MSN 
AOL 
Netvibes 
Bloglines 

    الملف الشامل للصوفية

    شاطر

    عزوز أبو أميمة الحسني
    المدير العام

    عدد المساهمات : 775
    تاريخ التسجيل : 07/06/2010
    الموقع : بلاد ا لاسلام

    الملف الشامل للصوفية

    مُساهمة من طرف عزوز أبو أميمة الحسني في الخميس أكتوبر 25, 2012 5:07 pm


    الصوفية
    إعداد الندوة العالمية للشباب الإسلامي
    التعريف:

    التصوُّف حركة(*)
    دينية انتشرت في العالم الإسلامي في القرن الثالث الهجري كنـزعاتٍ فردية
    تدعو إلى الزهد وشدة العبادة كرد فعل مضاد للانغماس في الترف الحضاري. ثم
    تطورت تلك النزعات بعد ذلك حتى صارت طرق مميزة معروفة باسم الصوفية،
    ويتوخّى المتصوفة تربية النفس والسمو بها بغية الوصول إلى معرفة الله تعالى
    بالكشف(*) والمشاهدة لا عن طريق إتباع الوسائل الشرعية، ولذا جنحوا في
    المسار حتى تداخلت طريقتهم مع الفلسفات(*) الوثنية(*): الهندية والفارسية
    واليونانية المختلفة. ويلاحظ أن هناك فروقاً جوهرية بين مفهومي الزهد
    والتصوف أهمها: أن الزهد مأمور به، والتصوف جنوح عن طريق الحق الذي اختطَّه
    أهل السنة والجماعة.


    التأسيس وأبرز الشخصيات:
    مقدمة هامة:


    خلال القرنين الأولين ابتداءً من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
    وخلفائه الراشدين حتى وفاة الحسن البصري، لم تعرف الصوفية سواء كان باسمها
    أو برسمها وسلوكها، بل كانت التسمية الجامعة: المسلمين، المؤمنين، أو
    التسميات الخاصة مثل: الصحابي، البدري، أصحاب البيعة (*)، التابعي.


    لم يعرف ذلك
    العهد هذا الغلو (*) العملي التعبُّدي أو العلمي الاعتقادي إلا بعض النزعات
    الفردية نحو التشديد على النفس الذي نهاهم عنه النبي (*) صلى الله عليه
    وسلم في أكثر من مناسبة، ومنها قوله للرهط الذين سألوا عن عبادته صلى الله
    عليه وسلم: "لكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن
    رغب عن سنتي فليس مني".


    وقوله صلى الله
    عليه وسلم للحولاء بنت نويت التي طوَّقت نفسها بحبل حتى لا تنام عن قيام
    الليل كما في حديث عائشة رضي الله عنها: (عليكم من العمل ما تطيقون، فإن
    الله لا يملّ حتى تملوا، وأحبُّ العمل إلى الله أدْوَمُه وإن قل).


    ـ وهكذا كان عهد
    الصحابة والتابعين وتابعيهم على هذا المنهج يسيرون، يجمعون بين العلم
    والعمل، والعبادة والسعي على النفس والعيال، وبين العبادة والجهاد (*)،
    والتصدي للبدع والأهواء مثلما تصدى ابن مسعود رضي الله عنه لبدعة (*) الذكر
    الجماعي بمسجد الكوفة وقضى عليها، وتصدِّيه لأصحاب معضّد بن يزيد العجلي
    لما اتخذوا دوراً خاصة للعبادة في بعض الجبال وردهم عن ذلك.



    ظهور العُبّاد: في القرن الثاني الهجري في عهد التابعين وبقايا الصحابة
    ظهرت طائفة من العباد آثروا العزلة وعدم الاختلاط بالناس فشددوا على أنفسهم
    في العبادة على نحو لم يُعهد من قبل، ومن أسباب ذلك بزوغ بعض الفتن
    الداخلية، وإراقة بعض الدماء الزكية، فآثروا اعتزال المجتمع تصوُّناً عما
    فيه من الفتن، وطلباً للسلامة في دينهم، يضاف إلى ذلك أيضاً فتح الدنيا
    أبوابها أمام المسلمين، وبخاصة بعد اتساع الفتوحات الإسلامية، وانغماس بعض
    المسلمين فيها، وشيوع الترف والمجون بين طبقة من السفهاء، مما أوجد ردة فعل
    عند بعض العباد وبخاصة في البصرة والكوفة حيث كانت بداية الانحراف عن
    المنهج (*) الأول في جانب السلوك.


    ـ ففي الكوفة
    ظهرت جماعة من أهلها اعتزلوا الناس وأظهروا الندم الشديد بعد مقتل الحسين
    بن علي رضي الله عنه وسموا أنفسهم بالتوَّابين أو البكَّائين. كما ظهرت
    طبقة من العبَّاد غلب عليهم جانب التشدد في العبادة والبعد عن المشاركة في
    مجريات الدولة، مع علمهم وفضلهم والتزامهم بآداب الشريعة، واشتغالهم
    بالكتاب والسنة تعلماً وتعليماً، بالإضافة إلى صدعهم بالحق وتصديهم لأهل
    الأهواء. كما ظهر فيهم الخوف الشديد من الله تعالى، والإغماء والصعق عند
    سماع القرآن الكريم مما استدعى الإنكار عليهم من بعض الصحابة وكبار
    التابعين كأسماء بنت أبي بكر وعبد الله بن الزبير ومحمد بن سيرين ونحوهم
    رضي الله عنهم، وبسببهم شاع لقب العُبَّاد والزُهَّاد والقُرَّاء في تلك
    الفترة. ومن أعلامهم: عامر بن عبد الله بن الزبير، و صفوان بن سليم، وطلق
    بن حبيب العنزي، عطاء السلمي، الأسود بن يزيد بن قيس، وداود الطائي، وبعض
    أصحاب الحسن البصري.



    بداية الانحراف: كدأب أي انحراف يبدأ صغيراً، ثم ما يلبث إلا أن يتسع مع
    مرور الأيام، فقد تطور مفهوم الزهد في الكوفة والبصرة في القرن الثاني
    للهجرة على أيدي كبار الزهاد أمثال: إبراهيم بن أدهم، مالك بن دينار، وبشر
    الحافي، ورابعة العدوية، وعبد الواحد بن زيد، إلى مفهوم لم يكن موجوداً عند
    الزهاد السابقين من تعذيب للنفس بترك الطعام، وتحريم تناول اللحوم،
    والسياحة في البراري والصحاري، وترك الزواج. يقول مالك بن دينار: "لا يبلغ
    الرجل منزلة الصديقين حتى يترك زوجته كأنها أرملة، ويأوي إلى مزابل
    الكلاب". وذلك دون سند من قدوة سابقة أو نص كتاب أو سنة، ولكن مما يجدر
    التنبيه عليه أنه قد نُسب إلى هؤلاء الزهاد من الأقوال المرذولة والشطحات
    المستنكرة ما لم يثبت عنهم بشكل قاطع كما يذكر شيخ الإسلام ابن تيمية.


    ـ وفي الكوفة أخذ
    معضد بن يزيد العجلي هو وقبيلُه يروِّضون أنفسهم على هجر النوم وإدامة
    الصلاة، حتى سلك سبيلهم مجموعة من زهاد الكوفة، فأخذوا يخرجون إلى الجبال
    للانقطاع للعبادة، على الرغم من إنكار ابن مسعود عليهم في السابق.


    ـ وظهرت من بعضهم
    مثل رابعة العدوية أقوال مستنكرة في الحب والعشق الإلهي للتعبير عن المحبة
    بين العبد وربه، وظهرت تبعاً لذلك مفاهيم خاطئة حول العبادة من كونها لا
    طمعاً في الجنة ولا خوفاً من النار مخالفةً لقول الله تعالى: (يَدْعُونَنا
    رَغَباً ورَهَباً).


    ـ يلخص شيخ
    الإسلام ابن تيمية هذا التطور في تلك المرحلة بقوله: "في أواخر عصر
    التابعين حدث ثلاثة أشياء: الرأي، والكلام (*)، والتصوف، فكان جمهور الرأي
    في الكوفة، وكان جمهور الكلام والتصوف في البصرة، فإنه بعد موت الحسن وابن
    سيرين ظهر عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء، وظهر أحمد بن علي الهجيمي ت200هـ،
    تلميذ عبد الواحد بن زيد تلميذ الحسن البصري، وكان له كلام في القدر(*)،
    وبنى دويرة للصوفية ـ وهي أول ما بني في الإسلام ـ أي داراً بالبصرة غير
    المساجد للالتقاء على الذكر والسماع ـ صار لهم حال من السماع والصوت ـ
    إشارة إلى الغناء. وكان أهل المدينة أقرب من هؤلاء في القول والعمل، وأما
    الشاميون فكان غالبهم مجاهدين".


    ومنذ ذلك العهد أخذ التصوف عدة أطوار أهمها:

    ـ البداية
    والظهور: ظهر مصطلح التصوف والصوفية أول ما ظهر في الكوفة بسبب قُربها من
    بلاد فارس، والتأثُّر بالفلسفة (*) اليونانية بعد عصر الترجمة، ثم بسلوكيات
    رهبان (*) أهل الكتاب، وقد تنازع العلماء والمؤرخون في أول مَن تسمَّ به.
    على أقوال ثلاثة:


    1 ـ قول شيخ
    الإسلام ابن تيمية ومن وافقه: أن أول من عُرف بالصوفي هو أبو هاشم الكوفي
    ت150هـ أو 162هـ بالشام بعد أن انتقل إليها، وكان معاصراً لسفيان الثوري ت
    155هـ قال عنه سفيان: "لولا أبو هاشم ما عُرِفت دقائق الرياء". وكان
    معاصراً لجعفر الصادق وينسب إلى الشيعة (*) الأوائل، ويسميه الشيعة مخترع
    الصوفية.


    2 ـ يذكر بعض
    المؤرخين أن عبدك ـ عبد الكريم أو محمد ـ المتوفى سنة 210هـ هو أول من تسمى
    بالصوفي، ويذكر عنه الحارث المحاسبي أنه كان من طائفة نصف شيعية تسمي
    نفسها صوفية تأسست بالكوفة. بينما يذكر الملطي في التنبيه والرد على أهل
    الأهواء والبدع أن عبدك كان رأس فرقة من الزنادقة (*) الذين زعموا أن
    الدنيا كلها حرام، لا يحل لأحد منها إلا القوت، حيث ذهب أئمة الهدى، ولا
    تحل الدنيا إلا بإمام عادل، وإلا فهي حرام، ومعاملة أهلها حرام.


    3 ـ يذهب ابن
    النديم في الفهرست إلى أن جابر بن حيان تلميذ جعفر الصادق والمتوفى سنة
    208هـ أول من تسمى بالصوفي، والشيعة تعتبره من أكابرهم، والفلاسفة ينسبونه
    إليهم.


    ـ وقد تنازع العلماء أيضاً في نسبة الاشتقاق على أقوال كثيرة أرجحها:

    1ـ ما رجَّحه شيخ
    الإسلام ابن تيمية وابن خلدون وطائفة كبيرة من العلماء من أنها نسبة إلى
    الصُّوف حيث كان شعار رهبان (*) أهل الكتاب الذين تأثر بهم الأوائل من
    الصوفية، وبالتالي فقد أبطلوا كل الاستدلالات والاشتقاقات الأخرى على مقتضى
    قواعد اللغة العربية، مما يبطل محاولة نسبة الصوفية أنفسهم لأهل الصُّفَّة
    من أصحاب رسول (*) الله صلى الله عليه وسلم، أو محاولة نسبة الصوفية
    أنفسهم إلى علي بن أبي طالب والحسن البصري وسفيان الثوري رضي الله عنهم
    جميعاً، وهي نسبة تفتقر إلى الدليل ويعوزها الحجة والبرهان.


    2ـ الاشتقاق
    الآخر ما رجحه أبو الريحان البيروني 440هـ وفون هامر حديثاً وغيرهما من
    أنها مشتقة من كلمة سوف sophاليونانية والتي تعني الحكمة. ويدلِّل أصحاب
    هذا الرأي على صحته بانتشاره في بغداد وما حولها بعد حركة الترجمة النشطة
    في القرن الثاني الهجري بينما لم تعرف في نفس الفترة في جنوب وغرب العالم
    الإسلامي. ويضاف إلى الزمان والمكان التشابه في أصل الفكرة عند الصوفية
    واليونان حيث أفكار وحدة الوجود والحلول (*) والإشراق (*) والفيض (*). كما
    استدلوا على قوة هذا الرأي بما ورد عن كبار الصوفية مثل السهروردي ـ
    المقتول ردة ـ بقوله: (وأما أنوار السلوك في هذه الأزمنة القريبة فخميرة
    الفيثاغورثيين وقعت إلى أخي أخميم (ذي النون المصري) ومنه نزلت إلى
    سيارستري وشيعته (أي سهل التستري) وأضافوا إلى ذلك ظهور مصطلحات أخرى
    مترجمة عن اليونانية في ذلك العصر، مثل الفلسفة (*)، الموسيقا، الموسيقار،
    السفسطة (*)، الهيولي.





    طلائع الصوفية: ظهر في القرنين الثالث والرابع الهجري ثلاث طبقات من المنتسبين إلى التصوف وهي:


    الطبقة الأولى: وتمثل التيار الذي اشتهر بالصدق في الزهد إلى حد الوساوس،
    والبعد عن الدنيا والانحراف في السلوك والعبادة على وجه يخالف ما كان عليه
    الصدر الأول من الرسول (*) صلى الله عليه وسلم وصحابته بل وعن عبّاد القرن
    السابق له، ولكنه كان يغلب على أكثرهم الاستقامة في العقيدة، والإكثار من
    دعاوى التزام السنة ونهج السلف، وإن كان ورد عن بعضهم ـ مثل الجنيد ـ بعض
    العبارات التي عدها العلماء من الشطحات، ومن أشهر رموز هذا التيار:

    ـ الجنيد: هو أبو القاسم الخراز المتوفى 298هـ يلقبه الصوفية بسيد الطائفة،
    ولذلك يعد من أهم الشخصيات التي يعتمد المتصوفة على أقواله وآرائه وبخاصة
    في التوحيد والمعرفة والمحبة. وقد تأثر بآراء ذي النون النوبي، فهذبها،
    وجمعها ونشرها من بعده تلميذه الشبلي، ولكنه خالف طريقة ذي النون والحلاّج و
    البسطامي في الفناء (*)، حيث كان يُؤْثر الصحو (*) على السكر (*) وينكر
    الشطحات، ويؤثر البقاء على الفناء، فللفَناءِ عنده معنى آخر، وقد أنكر على
    المتصوفة سقوط التكاليف (*). وقد تأثر الجنيد بأستاذه الحارث المحاسبي الذي
    يعد أول من خلط الكلام (*) بالتصوف، وبخاله السري السقطي ت 253هـ.

    وهناك آخرون تشملهم هذه الطبقة أمثال: أبو سليمان الداراني عبد الرحمن بن
    أحمد بن عطية العني ت205هـ، وأحمد بن الحواري، والحسن بن منصور بن إبراهيم
    أبو علي الشطوي الصوفي وقد روى عنه البخاري في صحيحه، والسري بن المغلس
    السقطي أبوالحسن ت253هـ، سهل بن عبد الله التستري ت273هـ، معروف الكرخي أبو
    محفوظ 200هـ، وقد أتى من بعدهم ممن سار على طريقتهم مثل: أبي عبد الرحمن
    السلمي 412هـ محمد بن الحسين الأزدي السلمي، محمد بن الحسن بن الفضل بن
    العباس أبويعلى البصري الصوفي 368هـ شيخ الخطيب البغدادي.

    ـ ومن أهم السمات الأخرى لهذه الطبقة: بداية التمييز عن جمهور المسلمين
    والعلماء، وظهور مصطلحات (*) تدل على ذلك بشكل مهَّد لظهور الطرق من بعد،
    مثل قول بعضهم: علمُنا، مذهبنا (*)، طريقنا، قال الجنيد: (علمنا مشتبك مع
    حديث رسول (*) الله صلى الله عليه وسلم) وهو انتساب محرم شرعاً حيث يفضي
    إلى البدعة (*) والمعصية بل وإلى الشرك أيضاً، وقد اشترطوا على من يريد
    السير معهم في طريقتهم أن يَخرُجَ من ماله، وأن يُقلَّ من غذائه وأن يترك
    الزواج مادام في سلوكه.

    ـ كثر الاهتمام بالوعظ والقصص مع قلة العلم والفقه والتحذير من تحصيلهما في
    الوقت الذي اقتدى أكثرهم بسلوكيات رهبان (*) ونُسَّاك أهل الكتاب حيث حدث
    الالتقاء ببعضهم، مما زاد في البعد عن سمت الصحابة وأئمة التابعين. ونتج عن
    ذلك اتخاذ دور للعبادة غير المساجد، يلتقون فيها للاستماع للقصائد الزهدية
    أو قصائد ظاهرها الغزل بقصد مدح النبي (*) صلى الله عليه وسلم مما سبَّب
    العداء الشديد بينهم وبين الفقهاء، كما ظهرت فيهم ادعاءات الكشف (*)
    والخوارق وبعض المقولات الكلامية. وفي هذه الفترة ظهرت لهم تصانيف كثيرة في
    مثل: كتب أبو طالب المكي قوت القلوب وحلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني،
    وكتب الحارث المحاسبي. وقد حذر العلماء الأوائل من هذه الكتب لاشتمالها على
    الأحاديث الموضوعة والمنكرة، واشتمالها على الإسرائيليات وأقوال أهل
    الكتاب. سئل الإمام أبو زرعة عن هذه الكتب فقيل له: في هذه عبرة ؟ قال: من
    لم يكن له في كتاب الله عز وجل عبرة فليس له في هذه الكتب عبرة.


    ومن أهم هذه السمات المميزة لمذاهب (*) التصوف والقاسم المشترك للمنهج (*)
    المميز بينهم في تناول العبادة وغيرها ما يسمونه (الذوق)، والذي أدى إلى
    اتساع الخرق عليهم، فلم يستطيعوا أن يحموا نهجهم الصوفي من الاندماج أو
    التأثر بعقائد وفلسفات (*) غير إسلامية، مما سهَّل على اندثار هذه الطبقة
    وزيادة انتشار الطبقة الثانية التي زاد غلوها (*) وانحرافها.


    الطبقة الثانية: خلطت الزهد بعبارات الباطنية (*)، وانتقل فيها الزهد من
    الممارسة العملية والسلوك التطبيقي إلى مستوى التأمل التجريدي والكلام
    النظري، ولذلك ظهر في كلامهم مصطلحات: الوحدة، والفناء (*)، والاتحاد (*)،
    والحلول (*)، والسكر (*)، والصحو (*)، والكشف (*)، والبقاء، والمريد،
    والعارف، والأحوال، والمقامات، وشاع بينهم التفرقة بين الشريعة والحقيقة،
    وتسمية أنفسهم أرباب الحقائق وأهل الباطن، وسموا غيرهم من الفقهاء أهل
    الظاهر والرسوم مما زاد العداء بينهما، وغير ذلك مما كان غير معروف عند
    السلف الصالح من أصحاب القرون المفضلة ولا عند الطبقة الأولى من المنتسبين
    إلى الصوفية، مما زاد في انحرافها، فكانت بحق تمثل البداية الفعلية لما صار
    عليه تيار التصوف حتى الآن.


    ومن أهم أعلام هذه الطبقة: أبو اليزيد البسطامي ت263هـ، ذوالنون المصري
    ت245هـ، الحلاج ت309هـ، أبوسعيد الخزار 277ـ 286هـ، الحكيم الترمذي ت320هـ،
    أبو بكر الشبلي 334 هـ وسنكتفي هنا بالترجمة لمن كان له أثره البالغ فيمن
    جاء بعده إلى اليوم مثل:

    ـ ذو النون المصري: وهو أبو الفيض ثوبان بن إبراهيم، قبطي (*) الأصل من أهل
    النوبة، من قرية أخميم بصعيد مصر، توفي سنة 245 هـ أخذ التصوف عن شقران
    العابد أو إسرائيل المغربي على حسب رواية ابن خلكان وعبد الرحمن الجامي.
    ويؤكد الشيعة (*) في كتبهم ويوافقهم ابن النديم في الفهرست أنه أخذ علم
    الكيمياء عن جابر بن حيان، ويذكر ابن خلكان أنه كان من الملامتية (*) الذين
    يخفون تقواهم عن الناس ويظهرون استهزاءهم بالشريعة (*)، وذلك مع اشتهاره
    بالحكمة والفصاحة.

    ويعدُّه كُتَّاب الصوفية المؤسسَ الحقيقي لطريقتهم في المحبة والمعرفة،
    وأول من تكلم عن المقامات والأحوال في مصر، وقال بالكشف (*) وأن للشريعة
    (*) ظاهراً وباطناً. ويذكر القشيري في رسالته أنه أول من عرَّف التوحيد
    بالمعنى الصوفي، وأول من وضع تعريفات للوجد والسماع، وأنه أول من استعمل
    الرمز في التعبير عن حاله، وقد تأثر بعقائد الإسماعيلية الباطنية (*)
    وإخوان الصفا (*) بسبب صِلاته القوية بهم، حيث تزامن مع فترة نشاطهم في
    الدعوة إلى مذاهبهم (*) الباطلة، فظهرت له أقوال في علم الباطن، والعلم
    اللدني، والاتحاد (*)، وإرجاع أصل الخلق إلى النور المحمدي، وكان لعلمه
    باللغة القبطية (*) أثره على حل النقوش والرموز المرسومة على الآثار
    القبطية في قريته مما مكَّنه من تعلم فنون التنجيم (*) والسحر والطلاسم
    الذي اشتغل بهم. ويعد ذو النون أول من وقف من المتصوفة على الثقافة
    اليونانية، ومذهب (*) الأفلاطونية الجديدة، وبخاصة ثيولوجيا أرسطو في
    الإلهيات، ولذلك كان له مذهبه الخاص في المعرفة والفناء (*) متأثراً
    بالغنوصية (*).

    ـ أبو يزيد البسطامي: طيفور بن عيسى بن آدم بن شروسان، ولد في بسطام من أصل
    مجوسي (*)، وقد نسبت إليه من الأقوال الشنيعة ؛ مثل قوله: (خرجت من الحق
    إلى الحق حتى صاح فيّ: يا من أنت أنا، فقد تحققت بمقام الفناء في الله)،
    (سبحاني ما أعظم شأني) ، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يعده من أصحاب هذه
    الطبقة ويشكك في صدق نسبتها إليه حيث كانت له أقوال تدل على تمسكه بالسنة،
    ومن علماء أهل السنة والجماعة (*) من يضعه مع الحلاج والسهروردي في طبقة
    واحدة.

    ـ الحكيم الترمذي: أبو عبد الله محمد بن علي بن الحسين الترمذي المتوفى سنة
    320ه‍ أول من تكلم في ختم الولاية وألف كتاباً في هذا أسماه ختم الولاية
    كان سبباً لاتهامه بالكفر وإخراجه من بلده ترمذ، يقول عنه شيخ الإسلام ابن
    تيمية: "تكلم طائفة من الصوفية في "خاتم الأولياء" وعظَّموا أمره كالحكيم
    الترمذي، وهو من غلطاته، فإن الغالب على كلامه الصحة بخلاف ابن عربي فإنه
    كثير التخليط). [ مجموع الفتاوى [1/363] وينسب إليه أنه قال: "للأولياء (*)
    خاتم كما أن للأنبياء (*) خاتماً"، مما مهد الطريق أمام فلاسفة الصوفية
    أمثال ابن عربي وابن سبعين وابن هود والتلمساني للقول بخاتم الأولياء (*)،
    وأن مقامه يفضل مقام خاتم الأنبياء (*).

    الطبقة الثالثة:

    وفيها اختلط التصوف بالفلسفة (*) اليونانية، وظهرت أفكار الحلول (*)
    والاتحاد (*) ووحدة الوجود، على أن الموجود الحق هو الله وما عداه فإنها
    صور زائفة وأوهام وخيالات موافقة لقول الفلاسفة، كما أثرت في ظهور نظريات
    الفيض (*) والإشراق (*) على يد الغزالي والسهروردي. وبذلك تعد هذه الطبقة
    من أخطر الطبقات والمراحل التي مر بها التصوف والتي تعدت به مرحلة البدع
    العملية إلى البدع العلمية التي بها يخرج التصوف عن الإسلام بالكلية. ومن
    أشهر رموز هذه الطبقة: الحلاج ت309هـ، السهروردي 587هـ، ابن عربي ت638هـ،
    ابن الفارض 632هـ، ابن سبعين ت 667 هـ.

    ـ الحـلاَّج: أبو مغيث الحسين بن منصور الحلاج 244 ـ 309هـ ولد بفارس
    حفيداً لرجل زرادشتي، ونشأ في واسط بالعراق، وهو أشهر الحلوليين
    والاتحاديين، رمي بالكفر (*) وقتل مصلوباً لتهم أربع وُجِّهت إليه:

    1ـ اتصاله بالقرامطة.
    2ـ قوله "أنا الحق".
    3ـ اعتقاد أتباعه ألوهيته.
    4ـ قوله في الحج، حيث يرى أن الحج إلى البيت الحرام ليس من الفرائض الواجب أداؤها.

    كانت في شخصيته كثير من الغموض، فضلاً عن كونه متشدداً وعنيداً ومغالياً،
    له كتاب الطواسين الذي أخرجه وحققه المستشرق الفرنسي ماسنيون.


    يرى بعض الباحثين أن أفراد الطائفة في القرن الثالث الهجري كانوا على علم
    باطني واحد، منهم من كتمه ويشمل أهل الطبقة الأولى بالإضافة إلى الشبلي
    القائل: (كنت أنا والحسين بن منصور ـ الحلاج ـ شيئاً واحداً إلا أنه أظهر
    وكتمت)، ومنهم من أذاع وباح به ويشمل الحلاج وطبقته فأذاقهم الله طعم
    الحديد، على ما صرَّحت به المرأة وقت صلبه بأمر من الجنيد حسب رواية
    المستشرق الفرنسي ماسنيون.


    _________________
    [وحدهم المديرون لديهم صلاحيات معاينة هذه الصورة]


    [وحدهم المديرون لديهم صلاحيات معاينة هذه الصورة]

    عزوز أبو أميمة الحسني
    المدير العام

    عدد المساهمات : 775
    تاريخ التسجيل : 07/06/2010
    الموقع : بلاد ا لاسلام

    رد: الملف الشامل للصوفية

    مُساهمة من طرف عزوز أبو أميمة الحسني في الخميس أكتوبر 25, 2012 5:08 pm

    ظهور الفرق:
    وضع أبو سعيد
    محمد أحمد الميهمي الصوفي الإيراني 357 ـ 430 هـ تلميذ أبي عبد الرحمن
    السلمي أوّل هيكل تنظيمي للطرق الصوفية بجعله متسلسلاً عن طريق الوراثة.



    يعتبر القرن الخامس امتداداً لأفكار القرون السابقة، التي راجت من خلال
    مصنفات أبي عبد الرحمن السلمي، المتوفى 412هـ والتي يصفها ابن تيمية بقوله:
    (يوجد في كتبه من الآثار الصحيحة والكلام المنقول ما ينتفع به في الدين
    (*)، ويوجد فيه من الآثار السقيمة والكلام المردود ما يضر من لا خيرة له،
    وبعض الناس توقف في روايته) [ مجموع الفتاوى 1/ 578 ]، فقد كان يضع
    الأحاديث لصالح الصوفية.



    · ما بين النصف الثاني من القرن الخامس وبداية السادس في زمن أبي حامد
    الغزالي الملقَّب بحجَّة الإسلام ت505هـ أخذ التصوف مكانه عند من حسبوا على
    أهل السنة (*). وبذلك انتهت مرحلة الرواد الأوائل أصحاب الأصول غير
    الإسلامية، ومن أعلام هذه المرحلة التي تمتد إلى يومنا هذا:


    ـ أبو حامد
    الغزالي: محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي 450 ـ 505هـ ولد بطوس من
    إقليم خراسان، نشأ في بيئة كثرت فيها الآراء والمذاهب (*) مثل: علم الكلام
    (*) والفلسفة (*)، والباطنية (*)، والتصوف، مما أورثه ذلك حيرة وشكًّا دفعه
    للتقلُّب بين هذه المذاهب الأربعة السابقة أثناء إقامته في بغداد، رحل إلى
    جرجان ونيسابور، ولازم نظام الملك، درس في المدرسة النظامية ببغداد،
    واعتكف في منارة مسجد دمشق، ورحل إلى القدس ومنها إلى الحجاز ثم عاد إلى
    موطنه. وقد ألف عدداً من الكتب منها: تهافُت الفلاسفة، والمنقذ من الضلال،
    وأهمها إحياء علوم الدين. ويعد الغزالي رئيس مدرسة الكشف (*) في المعرفة،
    التي تسلمت راية التصوف من أصحاب الأصول الفارسية إلى أصحاب الأصول السنية،
    ومن جليل أعماله هدمُه للفلسفة اليونانية وكشفه لفضائح الباطنية في كتابه
    المستظهري أو فضائح الباطنية. ويحكي تلميذه عبد الغافر الفارسي آخرَ مراحل
    حياته، بعدما عاد إلى بلده طوس، قائلاً: (وكانت خاتمة أمره إقباله على حديث
    المصطفى ومجالسة أهله، ومطالعة الصحيحين ـ البخاري ومسلم ـ اللذين هما حجة
    الإسلام) ا. هـ. وذلك بعد أن صحب أهل الحديث في بلده من أمثال: أبي سهيل
    محمد بن عبد الله الحفصي الذي قرأ عليه صحيح البخاري، والقاضي أبي الفتح
    الحاكمي الطوسي الذي سمع عليه سنن أبي داود [طبقات السبكي 4 / 110].


    ـ وفي هذه
    المرحلة ألف كتابه إلجام العوام عن علم الكلام الذي ذم فيه علم الكلام (*)
    وطريقته، وانتصر لمذهب (*) السلف ومنهجهم (*) فقال: (الدليل على أن مذهب
    السلف هو الحق: أن نقيضه بدعة (*)، والبدعة مذمومة وضلالة، والخوض من جهة
    العوام في التأويل (*) والخوض بهم من جهة العلماء بدعة مذمومة، وكان نقيضه
    هو الكف عن ذلك سنة محمودة) ص[96].


    ـ وفيه أيضاً رجع
    عن القول بالكشف (*) وإدراك خصائص النبوة (*) وقواها، والاعتماد في
    التأويل (*) أو الإثبات على الكشف الذي كان يراه من قبل غاية العوام.



    يمثل القرن السادس الهجري البداية الفعلية للطرق الصوفية وانتشارها حيث
    انتقلت من إيران إلى المشرق الإسلامي، فظهرت الطريقة القادرية المنسوبة
    لعبد القادر الجيلاني، المتوفى سنة 561ه‍ ، وقد رزق بتسعة وأربعين ولداً،
    حمل أحد عشر منهم تعاليمه ونشروها في العالم الإسلامي، ويزعم أتباعه أنه
    أخذ الخرقة والتصوف عن الحسن البصري عن الحسن بن علي بن أبي طالب ـ رضي
    الله عنهما ـ رغم عدم لقائه بالحسن البصري، كما نسبوا إليه من الأمور
    العظيمة فيما لا يقدر عليها إلا الله تعالى من معرفة الغيب، وإحياء الموتى،
    وتصرفه في الكون حيًّا أو ميتاً، بالإضافة إلى مجموعة من الأذكار والأوراد
    والأقوال الشنيعة. ومن هذه الأقوال أنه قال مرة في أحد مجالسه: "قدمي هذه
    على رقبة كل ولي (*) لله"، وكان يقول: "من استغاث بي في كربة كشفت عنه، ومن
    ناداني في شدة فرجت عنه، ومن توسل بي في حاجة قضيت له)، ولا يخفى ما في
    هذه الأقوال من الشرك وادعاء الربوبية.


    ـ يقول السيد
    محمد رشيد رضا: "يُنقل عن الشيخ الجيلاني من الكرامات وخوارق العادات ما لم
    ينقل عن غيره، والنقاد من أهل الرواية لا يحفلون بهذه النقول إذ لا أسانيد
    لها يحتج بها" [دائرة المعارف الإسلامية11/171].



    كما ظهرت الطريقة الرفاعية المنسوبة لأبي العباس أحمد بن أبي الحسين
    الرفاعي ت 540ه‍ ويطلق عليها البطائحية نسبةً إلى مكان ولاية بالقرب من قرى
    البطائح بالعراق، وينسج حوله كُتَّاب الصوفية ـ كدأبهم مع من ينتسبون
    إليهم ـ الأساطير والخرافات، بل ويرفعونه إلى مقام الربوبية. ومن هذه
    الأقوال: (كان قطب الأقطاب (*) في الأرض، ثم انتقل إلى قطبية السماوات، ثم
    صارت السماوات السبع في رجله كالخلخال) [طبقات الشعراني ص141، قلادة
    الجواهرص42].


    ـ وقد تزوج
    الرفاعي العديد من النساء ولكنه لم يعقب، ولذلك خلفه على المشيخة من بعده
    علي بن عثمان ت584ه‍ ثم خلفه عبد الرحيم بن عثمان ت604ه‍، ولأتباعه أحوال
    وأمور غريبة ذكرها الحافظ الذهبي ثم قال: "لكن أصحابه فيهم الجيد والرديء".


    ـ وفي هذا القرن
    ظهرت شطحات وزندقة (*) السهروردي شهاب الدين أبو الفتوح محيي الدين بن حسن
    549-587ه‍‍، صاحب مدرسة الإشراق (*) الفلسفية التي أساسها الجمع بين آراء
    مستمدة من ديانات الفرس القديمة ومذاهبها في ثنائية الوجود وبين الفلسفة
    اليونانية في صورتها الأفلاطونية الحديثة ومذهبها في الفيض أو الظهور
    المستمر، ولذلك اتهمه علماء حلب بالزندقة (*) والتعطيل (*) والقول بالفلسفة
    (*) الإشراقية مما حدا بهم أن يكتبوا إلى السلطان صلاح الدين الأيوبي
    محضراً بكفره (*) وزندقته فأمر بقتله ردة، وإليه تنسب الطريقة السهروردية
    ومذاهبها في الفيض (*) أو الظهور المستمر. ومن كتبه: حكمة الإشراق (*)،
    هياكل النور، التلويحات العرشية، والمقامات.



    تحت تأثير تراكمات مدارس الصوفية في القرون السالفة أعاد ابن عربي، وابن
    الفارض، وابن سبعين، بعثَ عقيدة الحلاج، وذي النون المصري، والسهروردي.


    في القرن السابع الهجري دخل التصوف الأندلس وأصبح ابن عربي الطائي الأندلسي أحد رؤوس الصوفية حتى لُقِّب بالشيخ الأكبر.

    ـ محيي الدين ابن
    عربي: الملقب بالشيخ الأكبر 560-638ه‍ رئيس مدرسة وحدة الوجود، يعتبر نفسه
    خاتم الأولياء (*)، ولد بالأندلس، ورحل إلى مصر، وحج، وزار بغداد، واستقر
    في دمشق حيث مات ودفن، وله فيها الآن قبر يُزار، طرح نظرية الإنسان الكامل
    التي تقوم على أن الإنسان وحده من بين المخلوقات يمكن أن تتجلّى فيه الصفات
    الإلهية إذا تيسر له الاستغراق في وحدانية الله، وله كتب كثيرة يوصلها
    بعضهم إلى 400 كتاب ورسالة ما يزال بعضها محفوظاً بمكتبة يوسف أغا بقونية
    ومكتبات تركيا الأخرى، وأشهر كتبه: روح القدس (*)، وترجمان الأشواق (*)
    وأبرزها: الفتوحات المكية وفصوص الحكم.


    ـ أبو الحسن
    الشاذلي 593-656ه‍: صاحبَ ابن عربي مراحل الطلب ـ طلب العلم ـ ولكنهما
    افترقا حيث فضّل أبو الحسن مدرسة الغزالي في الكشف (*) بينما فضل ابن عربي
    مدرسة الحلاج وذي النون المصري، وقد أصبح لكلتا المدرستين أنصارهما إلى
    الآن داخل طرق الصوفية، مع ما قد تختلط عند بعضهم المفاهيم فيهما، ومن أشهر
    تلاميذ مدرسة أبي الحسن الشاذلي ت656ه‍ أبو العباس ت686ه‍، وإبراهيم
    الدسوقي، وأحمد البدوي ت675ه‍. ويلاحظ على أصحاب هذه المدرسة إلى اليوم
    كثرة اعتذارها وتأويلها (*) لكلام ابن عربي ومدرسته.


    وفي القرن السابع ظهر أيضاً جلال الدين الرومي صاحب الطريقة المولوية بتركيا ت672ه‍ـ.

    أصبح القرن
    الثامن والتاسع الهجري ما هو إلا تفريع وشرح لكتب ابن عربي وابن الفارض
    وغيرهما، ولم تظهر فيه نظريات جديدة في التصوف. ومن أبرز سمات القرن التاسع
    هو اختلاط أفكار كلتا المدرستين. وفي هذا القرن ظهر محمد بهاء الدين
    النقشبندي مؤسس الطريقة النقشبندية ت791هـ. وكذلك القرن العاشر ما كان إلا
    شرحاً أو دفاعاً عن كتب ابن عربي، فزاد الاهتمام فيه بتراجم أعلام التصوف،
    والتي اتسمت بالمبالغة الشديدة. ومن كتّاب تراجم الصوفية في هذا القرن: عبد
    الوهاب الشعراني ت 973ه‍ صاحب الطبقات الصغرى والكبرى.


    وفي القرون التالية اختلط الأمر على الصوفية، وانتشرت الفوضى بينهم، واختلطت فيهم أفكار كلتا المدرستين وبدأت مرحلة الدراويش.

    ـ ومن أهم ما
    تتميز‍ به القرون المتأخرة ظهور ألقاب شيخ السجادة، وشيخ مشايخ الطرق
    الصوفية، والخليفة والبيوت الصوفية التي هي أقسام فرعية من الطرق نفسها مع
    وجود شيء من الاستقلال الذاتي يمارس بمعرفة الخلفاء، كما ظهرت فيها
    التنظيمات والتشريعات المنظمة للطرق تحت مجلس وإدارة واحدة الذي بدأ بفرمان
    أصدره محمد علي باشا والي مصر يقضي بتعيين محمد البكري خلفاً لوالده شيخاً
    للسجادة البكرية وتفويضه في الإشراف على جميع الطرق والتكايا والزوايا
    والمساجد التي بها أضرحة كما له الحق في وضع مناهج التعليم التي تعطى فيها.
    وذلك كله في محاولة لتقويض سلطة شيخ الأزهر وعلمائه، وقد تطورت نظمه
    وتشريعاته ليعرف فيما بعد بالمجلس الأعلى للطرق الصوفية في مصر.


    من أشهر رموز القرون التأخرة:
    ـ عبد الغني النابلسي 1050-1143ه‍.
    ـ أبو السعود البكري المتوفى 1812م أول من عرف بشيخ مشايخ الطرق الصوفية في مصر بشكل غير رسمي.
    ـ أبو الهدى الصيادي الرفاعي 1220-1287هـ.‍
    ـ عمر الفوتي
    الطوري السنغالي الأزهري التيجاني ت 1281ه‍، ومما يحسن ذكره له أنه اهتم
    بنشر الإسلام بين الوثنيين (*)، وكوَّن لذلك جيشاً، وخاض به حروباً مع
    الوثنيين، واستولى على مملكة سيغو وعلى بلاد ماسينه. ومن مؤلفاته: سيوف
    السعيد، سفينة السعادة، رماح حزب الرحيم على نحور حزب الرجيم.

    ـ محمد عثمان الميرغني ت1268ه‍. ستأتي ترجمة له في مبحث الختمية.
    ـ أبو الفيض محمد
    بن عبد الكبير الكتاني، فقيه متفلسف، من أهل فاس بالمغرب، أسس الطريقة
    الكتانية 1290-1327ه‍، انتقد عليه علماء فاس بعض أقواله ونسبوه إلى فساد
    الاعتقاد. ومن كتبه: حياة الأنبياء، لسان الحجة البرهانية في الذب عن شعائر
    الطريقة الأحمدية الكتانية.

    ـ أحمد التيجاني ت1230ه‍. ستأتي ترجمة له في مبحث التيجانية.
    ـ حسن رضوان 1239-1310ه‍ صاحب أرجوزة روض القلوب المستطاب في التصوف.
    ـ صالح بن محمد
    بن صالح الجعفري الصادقي 1328-1399ه‍ انتسب إلى الطريقة الأحمدية الإدريسية
    بعد ما سافر إلى مصر والتحق بالأزهر، وأخذ الطريقة عن الشيخ محمد بخيت
    المطيعي، والشيخ حبيب الله الشنقيطي، والشيخ يوسف الدجوي، ومن كتبه:
    الإلهام النافع لكل قاصد، القصيدة التائية، الصلوات الجعفرية.



    الأفكار والمعتقدات:

    مصادر التلقي:

    ـ الكشف (*): ويعتمد الصوفية الكشف
    مصدراً وثيقاً للعلوم والمعارف، بل تحقيق غاية عبادتهم، ويدخل تحت الكشف
    الصوفي جملة من الأمور الشرعية والكونية منها:


    1ـ النبي (*) صلى الله عليه وسلم: ويقصدون به الأخذ عنه يقظةً أو مناماً.

    2ـ الخضر عليه الصلاة السلام: قد كثرت حكايتهم عن لقياه، والأخذ عنه أحكاماً شرعية وعلوماً دينية، وكذلك الأوراد، والأذكار والمناقب.

    3ـ الإلهام: سواء كان من الله تعالى
    مباشرة، وبه جعلوا مقام الصوفي فوق مقام النبي حيث يعتقدون أن الولي (*)
    يأخذ العلم مباشرة عن الله تعالى حيث أخذه الملك الذي يوحي (*) به إلى
    النبي (*) أو الرسول (*).


    4ـ الفراسة: التي تختص بمعرفة خواطر النفوس وأحاديثها.

    5ـ الهواتف: من سماع الخطاب من الله
    تعالى، أو من الملائكة، أو الجن الصالح، أو من أحد الأولياء (*)، أو الخضر،
    أو إبليس، سواء كان مناماً أو يقظةً أو في حالة بينهما بواسطة الأذن.


    6ـ الإسراءات والمعاريج: ويقصدون بها عروج روح الولي إلى العالم العلوي، وجولاتها هناك، والإتيان منها بشتى العلوم والأسرار.

    7ـ الكشف الحسي: بالكشف (*) عن حقائق الوجود بارتفاع الحجب الحسية عن عين القلب وعين البصر.

    8 ـ الرؤى والمنامات: وتعتبر من أكثر
    المصادر اعتماداً عليها حيث يزعمون أنهم يتلقَّون فيها عن الله تعالى، أو
    عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو عن أحد شيوخهم لمعرفة الأحكام الشرعية.


    الذوق: وله إطلاقان:

    1 ـ الذوق العام الذي ينظم جميع
    الأحوال والمقامات، ويرى الغزالي في كتابه المنقذ من الضلال إمكان السالك
    أن يتذوَّق حقيقة النبوة، وأن يدرك خاصيتها بالمنازلة.


    2ـ أما الذوق الخاص فتتفاوت درجاته بينهم حيث يبدأ بالذوق ثم الشرب.

    ـ الوجد: وله ثلاثة مراتب:
    1 ـ التواجد.
    2 ـ الوجد.
    3 ـ الوجود.

    ـ التلقي عن الأنبياء غير النبي صلى الله عليه وسلم وعن الأشياخ المقبورين.

    تتشابه عقائد الصوفية وأفكارهم وتتعدد بتعدد مدارسهم وطرقهم ويمكن إجمالها فيما يلي:

    ـ يعتقد المتصوفة في الله تعالى
    عقائد شتى، منها الحلول (*) كما هو مذهب (*) الحلاج، ومنها وحدة الوجود حيث
    عدم الانفصال بين الخالق والمخلوق، ومنهم من يعتقد بعقيدة الأشاعرة
    والماتريدية في ذات الله تعالى وأسمائه وصفاته.


    ـ والغلاة (*) منهم يعتقدون في
    الرسول (*) صلى الله عليه وسلم أيضاً عقائد شتى، فمنهم من يزعم أن الرسول
    صلى الله عليه وسلم لا يصل إلى مرتبتهم وحالهم، وأنه كان جاهلاً بعلوم رجال
    التصوف كما قال البسطامي: "خضنا بحراً وقف الأنبياء بساحله". ومنهم من
    يعتقد أن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم هو قبة الكون، وهو الله المستوي
    على العرش وأن السماوات والأرض والعرش والكرسي وكل الكائنات خُلقت من نوره،
    وأنه أول موجود ؛ وهذه عقيدة ابن عربي ومن تبعه. ومنهم من لا يعتقد بذلك
    بل يرده ويعتقد ببشريته ورسالته ولكنهم مع ذلك يستشفعون ويتوسلون به صلى
    الله عليه وسلم إلى الله تعالى على وجه يخالف عقيدة أهل السنة والجماعة
    (*).


    ـ وفي الأولياء (*) يعتقد الصوفية
    عقائد شتى، فمنهم من يفضِّل الولي على النبي (*)، ومنهم يجعلون الولي
    مساوياً لله في كل صفاته، فهو يخلق ويرزق، ويحيي ويميت، ويتصرف في الكون.
    ولهم تقسيمات للولاية، فهناك الغوث، والأقطاب، والأبدال(*) والنجباء (*)
    حيث يجتمعون في ديوان لهم في غار حراء كل ليلة ينظرون في المقادير. ومنهم
    من لا يعتقد ذلك ولكنهم أيضاً يأخذونهم وسائط بينهم وبين ربهم سواءً كان في
    حياتهم أو بعد مماتهم.


    وكل هذا بالطبع خلاف الولاية في
    الإسلام التي تقوم على الدين (*) والتقوى، وعمل الصالحات، والعبودية
    الكاملة لله والفقر إليه، وأن الولي لا يملك من أمر نفسه شيئاً فضلاً عن
    أنه يملك لغيره، قال تعالى لرسوله: (قُل إنّي لا أملِكُ لكم ضَرًّا ولا
    رَشَداً) [الجن:21].


    ـ يعتقدون أن الدين شريعة وحقيقة،
    والشريعة هي الظاهر من الدين وأنها الباب الذي يدخل منه الجميع، والحقيقة
    هي الباطن الذي لا يصل إليه إلا المصطفون الأخيار.


    ـ التصوف في نظرهم طريقة وحقيقة معاً.

    ـ لابد في التصوف من التأثير الروحي الذي لا يأتي إلا بواسطة الشيخ الذي أخذ الطريقة عن شيخه.

    ـ لابد من الذكر والتأمل الروحي وتركيز الذهن في الملأ الأعلى، وأعلى الدرجات لديهم هي درجة الولي.

    ـ يتحدث الصوفيون عن العلم
    الَّلدُنّي الذي يكون في نظرهم لأهل النبوة (*) والولاية (*)، كما كان ذلك
    للخضر عليه الصلاة والسلام، حيث أخبر الله تعالى عن ذلك فقال: (وعلَّمناهُ
    من لَدُنَّا عِلْماً).


    ـ الفناء (*): يعتبر أبو يزيد
    البسطامي أول داعية في الإسلام إلى هذه الفكرة، وقد نقلها عن شيخه أبي علي
    السندي حيث الاستهلاك في الله بالكلية، وحيث يختفي نهائيًّا عن شعور العبد
    بذاته ويفنى المشاهد فينسى نفسه وما سوى الله، ويقول القشيري: الاستهلاك
    بالكلية يكون (لمن استولى عليه سلطان الحقيقة حتى لم يشهد من الغبار لا
    عيناً ولا أثراً ولا رسماً) "مقام جمع الجمع" وهو: "فناء العبد عن شهود
    فنائه باستهلاكه في وجود الحق".


    إن مقام الفناء حالة تتراوح فيها
    تصورات السالك بين قطبين متعارضين هما التنزيه (*) والتجريد من جهة والحلول
    (*) والتشبيه (*) من جهة أخرى.


    درجات السلوك:

    ـ هناك فرق بين الصوفي والعابد والزاهد إذ أن لكل واحد منهم أسلوباً ومنهجاً وهدفاً.

    وأول درجات السلوك حبُّ الله ورسوله، ودليله الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ثم الأسوة الحسنة: (لَقد كانَ لكُم في رَسُولِ الله أُسوةٌ حَسَنةٌ).

    ثم التوبة: وذلك بالإقلاع عن المعصية، والندم على فعلها، والعزم على أن لا يعود إليها، وإبراء صاحبها إن كانت تتعلق بآدمي.

    ـ المقامات: "هي المنازل الروحية
    التي يمر بها السالك إلى الله فيقف فترة من الزمن مجاهداً في إطارها حتى
    ينتقل إلى المنزل الثاني" ولابد للانتقال من جهاد (*) وتزكية. وجعلوا
    الحاجز بين المريد وبين الحق سبحانه وتعالى أربعة أشياء هي: المال، والجاه،
    والتقليد (*)، والمعصية.


    ـ الأحوال: "إنها النسمات التي تهب
    على السالك فتنتعش بها نفسه لحظات خاطفة ثم تمر تاركة عطراًً تتشوق الروح
    للعودة إلى تنسُّم أريجه". قال الجنيد: "الحال نازلة تنزل بالقلوب فلا
    تدوم".


    والأحوال مواهب، والمقامات مكاسب، ويعبِّرون عن ذلك بقولهم: (الأحوال تأتي من عين الجود، والمقامات تحصل ببذل المجهود).

    ـ الورع: أن يترك السالك كل ما فيه شبهة، ويكون هذا في الحديث والقلب والعمل.

    ـ الزهد: وهو يعني أن تكون الدنيا
    على ظاهر يده، وقلبه معلق بما في يد الله. يقول أحدهم عن زاهد: (صدق فلان،
    قد غسل الله قلبه من الدنيا وجعلها في يده على ظاهره). قد يكون الإنسان
    غنيًّا وزاهداً في ذات الوقت إذ أن الزهد لا يعني الفقر، فليس كل فقير
    زاهداً، وليس كل زاهد فقيراً، والزهد على ثلاث درجات:


    1 ـ ترك الحرام، وهو زهد العوام.
    2 ـ ترك الفضول من الحلال، وهو زهد الخواص.
    3 ـ ترك ما يشغل العبد عن الله تعالى، وهو زهد العارفين.

    ـ التوكل: يقولون: التوكل بداية،
    والتسليم واسطة، والتفويض نهاية إن كان للثقة في الله نهاية، ويقول سهل
    التستري: "التوكل: الاسترسال مع الله تعالى على ما يريد".


    ـ المحبة: يقول الحسن البصري ت110ه‍:
    ( فعلامة المحبة الموافقة للمحبوب والتجاري مع طرقاته في كل الأمور،
    والتقرب إليه بكل صلة، والهرب من كل ما لا يعينه على مذهبه).


    ـ الرضا: يقول أحدهمSadالرضا بالله
    الأعظم، هو أن يكون قلب العبد ساكناً تحت حكم الله عز وجل) ويقول آخر:
    (الرضا آخر المقامات، ثم يقتفي من بعد ذلك أحوال أرباب القلوب، ومطالعة
    الغيوب، وتهذيب الأسرار لصفاء الأذكار وحقائق الأحوال).


    ـ يطلقون الخيال: لفهم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم حتى يصل السالك إلى اليقين وهو على ثلاث مراتب:

    1 ـ علم اليقين: وهو يأتي عن طريق الدليل النقلي من آيات وأحاديث (كلاَّ لَوْ تَعلمُونَ عِلمَ اليَقين). [ سورة التكاثر:5].
    2ـ عين اليقين: وهو يأتي عن طريق المشاهدة والكشف (*): (ثمَّ لَتَرونَّها عَينَ اليقين) [سورة التكاثر:7].
    3ـ حق اليقين: وهو ما يتحقق عن طريق الذوق: (إنَّ هذا لهو حقُّ اليَقين فسبِّح باسمِ ربِّك العظيم) [سورة الواقعة:95،96].

    - وأما في الحكم والسلطان والسياسة
    فإن المنهج (*) الصوفي هو عدم جواز مقاومة الشر ومغالبة السلاطين لأن الله
    في زعمهم أقام العباد فيما أراد.


    ـ ولعل أخطر ما في الشريعة الصوفية
    هو منهجهم في التربية حيث يستحوذون على عقول الناس ويلغونها، وذلك بإدخالهم
    في طريق متدرج يبدأ بالتأنيس، ثم بالتهويل والتعظيم بشأن التصوف ورجاله،
    ثم بالتلبيس على الشخص، ثم بالرزق إلى علوم التصوف شيئاً فشيئاً، ثم بالربط
    بالطريقة وسد جميع الطرق بعد ذلك للخروج.


    مدارس الصوفية:

    ـ مدرسة الزهد: وأصحابها: من
    النُّسَّاك والزُّهَّاد والعُبَّاد والبكَّائين، ومن أفرادها: رابعة
    العدوية، وإبراهيم بن أدهم، ومالك بن دينار.


    ـ مدرسة الكشف (*) والمعرفة: وهي
    تقوم على اعتبار أن المنطق العقلي وحده لا يكفي في تحصيل المعرفة وإدراك
    حقائق الموجودات، إذ يتطور المرء بالرياضة النفسية حتى تنكشف عن بصيرته
    غشاوة الجهل وتبدو له الحقائق منطبقة في نفسه تتراءى فوق مرآة القلب، وزعيم
    هذه المدرسة: أبو حامد الغزالي.


    ـ مدرسة وحدة الوجود: زعيم هذه
    المدرسة محيي الدين بن عربي: ( وقد ثبت عن المحققين أنه ما في الوجود إلا
    الله، ونحن إن كنا موجودين فإنما كان وجودنا به، فما ظهر من الوجود بالوجود
    إلا الحق، فالوجود الحق وهو واحد، فليس ثم شيء هو له مثل، لأنه لا يصح أن
    يكون ثم وجودان مختلفان أو متماثلان).


    ـ مدرسة الاتحاد (*) والحلول (*):
    وزعيمها: الحلاج، ويظهر في هذه المدرسة التأثر بالتصوف الهندي والنصراني،
    حيث يتصور الصوفي عندها أن الله قد حل (*) فيه وأنه قد اتحد (*) هو بالله،
    فمن أقوالهم: (أنا الحق) و (ما في الجبة إلا الله) وما إلى ذلك من الشطحات
    التي تنطلق على ألسنتهم في لحظات السكر (*) بخمرة الشهود على ما يزعمون.

    عزوز أبو أميمة الحسني
    المدير العام

    عدد المساهمات : 775
    تاريخ التسجيل : 07/06/2010
    الموقع : بلاد ا لاسلام

    رد: الملف الشامل للصوفية

    مُساهمة من طرف عزوز أبو أميمة الحسني في الخميس أكتوبر 25, 2012 5:09 pm

    طرق الصوفية:

    ـ الجيلانية: تنسب إلى
    عبد القادر الجيلاني 470 ـ 561ه‍ المدفون في بغداد، حيث تزوره كل عام جموع
    كثيرة من أتباعه للتبرُّك به، اطلع على كثير من علوم عصره، وقد نسب أتباعه
    إليه كثيراً من الكرامات (*)، على نحو ما ذكرنا من قبل.

    ـ الرفاعية: تنسب إلى أحمد الرفاعي 512-580ه‍ من بني رفاعة أحد قبائل
    العرب، و جماعته يستخدمون السيوف ودخول النيران في إثبات الكرامات. قال
    عنهم الشيخ الألوسي في غاية الأماني في الرد على النبهاني: (وأعظم الناس
    بلاء في هذا العصر على الدين (*) والدولة: مبتدعة الرفاعية، فلا تجد بدعة
    (*) إلا ومنهم مصدرها وعنهم موردها ومأخذها، فذكرهم عبارة عن رقص وغناء
    والتجاء إلى غير الله وعبادة مشايخهم. وأعمالهم عبارة عن مسك الحيات)
    1/370.

    وتتفق الرفاعية مع الشيعة (*) في أمور عدة منها: إيمانهم بكتاب الجفر (*)،
    واعتقادهم في الأئمة الاثني عشر، وأن أحمد الرفاعي هو الإمام الثالث عشر،
    بالإضافة إلى مشاركتهم الحزن يوم عاشوراء. وغير ذلك.

    هذا رغم ما ورد عن شيخ طريقتهم ـ الشيخ أحمد الرفاعي ـ من الحض الشديد على
    السنة واجتناب البدعة ومنها قوله: (ما تهاون قوم بالسنة وأهملوا قمع البدعة
    إلا سلط الله عليهم العدو، و ما انتصر قوم للسنة وقمعوا البدعة وأهلها إلا
    رزقهم هيبة من عنده ونصرهم وأصلح شأنهم).

    وللرفاعية انتشار ملحوظ في غرب آسيا.

    ـ البدوية: وتنسب إلى أحمد البدوي596-634ه‍ ولد بفاس، حج ورحل إلى العراق،
    واستقر في طنطا حتى وفاته، وله فيها ضريح مقصود، حيث يقام له كغيره من
    أولياء الصوفية احتفال بمولده سنويًّا يمارس فيه الكثير من البدع
    والانحرافات العقدية من دعاء واستغاثة وتبرك وتوسل ، وبعضه من الشرك المخرج
    من الملة. وأتباع طريقته منتشرون في بعض محافظات مصر، ولهم فيها فروع
    كالبيُّومية والشنَّاوية وأولاد نوح والشعبية، وشارتهم العمامة الحمراء.

    ـ الدسوقية: تنسب إلى إبراهيم الدسوقي 633-676ه‍ المدفون بمدينة دسوق في
    مصر، يدعي المتصوفة أنه أحد الأقطاب الأربعة الذين يرجع إليهم تدبير الأمور
    في هذا الكون !!

    ـ الأكبرية: نسبة إلى الشيخ محيي الدين بن عربي، وتقوم طريقته على عقيدة
    وحدة الوجود والصمت والعزلة والجوع والسهر، ولها ثلاث صفات: الصبر على
    البلاء، والشكر على الرخاء، والرضا بالقضاء.

    ـ الشاذلية: نسبة إلى أبي الحسين الشاذلي 593-656ه‍ ولد بقرية عمارة قرب
    مرسية في بلاد المغرب، وانتقل إلى تونس، وحج عدة مرات، ثم دخل العراق ومات
    أخيراً في صحراء عيذاب بصعيد مصر في طريقه إلى الحج، قيل عنه: ( إنه سهّل
    الطريقة على الخليقة) لأن طريقته أسهل الطرق وأقربها، فليس فيها كثير
    مجاهدة، انتشرت طريقته في مصر واليمن وبلاد العرب، وأهل مدينة مخا يدينون
    له بالتقدير والاعتقاد العميق في ولايته، وانتشرت طريقته كذلك في مراكش
    وغرب الجزائر وفي شمال أفريقيا وغربها بعامة.

    ـ البكداشية: كان الأتراك العثمانيون ينتمون إلى هذه الطريقة، وهي ما تزال
    منتشرة في ألبانيا، كما أنها أقرب إلى التصوف الشيعي منها إلى التصوف
    السني، وقد كان لهذه الطريقة أثر بارز في نشر الإسلام بين الأتراك والمغول،
    وكان لها سلطان عظيم على الحكام العثمانيين ذاتهم.

    ـ المولوية: أنشأها الشاعر الفارسي جلال الدين الرومي ت672ه‍ والمدفون
    بقونية، أصحابها يتميزون بإدخال الرقص والإيقاعات في حلقات الذكر، وقد
    انتشروا في تركيا وآسيا الغربية، ولم يبق لهم في الأيام الحاضرة إلا بعض
    التكايا في تركيا وفي حلب وفي بعض أقطار المشرق.

    ـ النقشبندية: تنسب إلى الشيخ بهاء الدين محمد بن محمد البخاري الملقب بشاه
    نقشبند 618-691ه‍ وهي طريقة سهلة كالشاذلية، انتشرت في فارس وبلاد الهند
    وآسيا الغربية.

    ـ الملامتية: مؤسسها أبوصالح حمدون بن أحمد بن عمار المعروف بالقصار ت271ه‍
    أباح بعضهم مخالفة النفس بغية جهادها ومحاربة نقائصها، وقد ظهر الغلاة
    منهم في تركيا حديثاً بمظهر الإباحية والاستهتار وفعل كل أمر دون مراعاة
    للأوامر والنواهي الشرعية.

    ـ وهناك طرق كثيرة غير هذه: كالقنائية، والقيروانية، والمرابطية،
    والبشبشية، والسنوسية، والمختارية، والختمية … وغيرها، ولاشك أن كل هذه
    الطرق بدعية.



    شطحات الصوفية:

    سلك بعضهم طريق تحضير
    الأرواح (*) معتقداً بأن ذلك من التصوف، كما سلك آخرون طريق الشعوذة
    والدجل، وقد اهتموا ببناء الأضرحة وقبور الأولياء (*) وإنارتها وزيارتها
    والتمسُّح بها، وكل ذلك من البدع (*) التي ما أنزل الله بها من سلطان.

    ـ يقول بعضهم بارتفاع التكاليف ـ إسقاط التكاليف (*) ـ عن الولي (*)، أي أن
    العبادة تصير لا لزوم لها بالنسبة إليه، لأنه وصل إلى مقام لا يحتاج معه
    إلى القيام بذلك، ولأنه لو اشتغل بوظائف الشرع وظواهره انقطع عن حفظ الباطن
    وتشوش عليه بالالتفات عن أنواع الواردات الباطنية إلى مراعاة الظاهر.

    ـ ويُنقل عن الغزالي انتقاده لمن غلبه الغرور، ويعدِّد فرقهم:

    1 ـ فرقة اغتروا بالزي والهيئة والمنطق (*).
    2ـ وفرقة ادعت علم المعرفة، ومشاهدة الحق، ومجاوزة المقامات والأحوال .
    3ـ وفرقة وقعت في الإباحة، وطووا بساط الشرع، ورفضوا الأحوال، وسووا بين الحلال والحرام.
    4ـ وبعضهم يقول: الأعمال بالجوارح لا وزن لها وإنما النظر إلى القلوب،
    وقلوبنا والهة بحب الله وواصلة إلى معرفة الله، وإنما نخوض في الدنيا
    بأيدينا، وقلوبنا عاكفة في الحضرة الربوبية، فنحن مع الشهوات بالظواهر لا
    بالقلوب.

    ـ ومذهب الوحدة المطلقة لم يكن له وجود في الإسلام بصورته الكاملة قبل ابن
    عربي، فهو الواضع لدعائمه والمؤسس لمدرسته والمفضل لمعانيه ومراميه، وله
    فصوص الحكم والفتوحات المكية وغيرهما.

    ـ أما الحلاج فيعتبر صاحب مدرسة الاتحاد (*) والحلول (*)، وله أقوال منها:
    أنا من أهوى ومن أهوى أنا *** نحن روحان حلـلنا بَدَنـا
    فإذا أبصرتـني أبصرتـه *** وإذا أبصرتـه أبصـرتنا

    وقوله:
    مزجت روحك في روحي كما *** تمزج الخمرة في الماء الزلال
    فإذا مسَّك شــيء مسـني *** فإذا أنـت أنا في كل حـال

    ـ يستخدم الصوفيون لفظ ( الغوث والغياث ) وقد أفتى ابن تيمية كما جاء في
    كتاب مجموع الفتاوى ص 437: (فأما لفظ الغوث والغياث فلا يستحقه إلا الله،
    فهو غوث المستغيثين، فلا يجوز لأحد الاستغاثة بغيره لا بملك مقرب ولا نبي
    مرسل).

    ـ لقد أجمعت كل طرق الصوفية على ضرورة الذكر، وهو عند النقشبندية لفظ الله
    مفرداً، وعند الشاذلية لا إله إلا الله، وعند غيرهم مثل ذلك مع الاستغفار
    والصلاة على النبي، وبعضهم يقول عند اشتداد الذكر: هو هو، بلفظ الضمير. وفي
    ذلك يقول ابن تيمية في كتاب مجموع الفتاوى ص 229: (وأما الاقتصار على
    الاسم المفرد مظهراً أو مضمراً فلا أصل له، فضلاً عن أن يكون من ذكر الخاصة
    والعارفين، بل هو وسيلة إلى أنواع من البدع والضلالات، وذريعة إلى تصورات
    أحوال فاسدة من أحوال أهل الإلحاد وأهل الاتحاد).

    ويقول في ص 228 أيضاً: (من قال: يا هو يا هو، أو هو هو، ونحو ذلك، لم يكن
    الضمير عائداً إلا إلى ما يصوره القلب، والقلب قد يهتدي وقد يضل).

    ـ قد يأتي بعض المنتسبين إلى التصوف بأعمال عجيبة وخوارق، وفي ذلك يقول ابن
    تيمية ص 494: (وأما كشف الرؤوس، وتفتيل الشعر، وحمل الحيات، فليس هذا من
    شعار أحد من الصالحين، ولا من الصحابة، ولا من التابعين، ولا شيوخ
    المسلمين، ولا من المتقدمين، ولا من المتأخرين، ولا الشيخ أحمد بن الرفاعي،
    وإنما ابتُدع هذا بعد موت الشيخ بمدة طويلة).

    ـ ويقول أيضاً في ص 504: (وأما النذر للموتى من الأنبياء (*) والمشايخ
    وغيرهم أو لقبورهم أو المقيمين عند قبورهم فهو نذرُ شركٍ ومعصية لله
    تعالى).

    ـ وفي ص 506 من نفس الكتاب: (وأما الحلف بغير الله من الملائكة والأنبياء والمشايخ والملوك وغيرهم فإنه منهي عنه).

    ـ ويقول في ص 505 من نفس الكتاب أيضاً: (وأما مؤاخاة الرجال والنساء الجانب
    وخلوتهم بهن، ونظرهم إلى الزينة الباطنة، فهذا حرام باتفاق المسلمين ، ومن
    جعل ذلك من الدين فهو من إخوان الشياطين).

    ـ وفي مقام الفناء (*) عن شهود ما سوى الرب ـ وهو الفناء عن الإرادة ـ يقول
    ابن تيمية ص337 من كتابه: (وفي هذا الفناء قد يقول: أنا الحق، أو سبحاني،
    أو ما في الجنة إلا الله، إذا فنى بمشهوده عن شهوده، وبموجوده عن وجوده،
    وفي مثل هذا المقام يقع السكر (*) الذي يسقط التمييز مع وجود حلاوة الإيمان
    كما يحصل بسكر الخمر وسكر عشق الصور. ويُحكم على هؤلاء أن أحدهم إذا زال
    عقله بسبب غير محرم فلا جناح عليه فيما يصدر عنه من الأقوال والأفعال
    المحرمة، بخلاف ما إذا كان سبب زوال العقل أمراً محرماً. وكما أنه لا جناح
    عليهم فلا يجوز الاقتداء بهم ولا حمل كلامهم وفعالهم على الصحة، بل هم في
    الخاصة مثل الغافل والمجنون في التكاليف الظاهرة).

    ـ أما في مقام الفناء (*) عن وجود السوي فيقول ص337 من الكتاب أيضاً:
    (الثالث: فناء وجود السوي، بمعنى أنه يرى الله هو الوجود وأنه لا وجود
    لسواه، لا به ولا بغيره، وهذا القول للاتحادية الزنادقة (*) من المتأخرين
    كالبلياني والتلمساني والقونوي ونحوهم، الذين يجعلون الحقيقة أنه غير
    الموجودات وحقيقة الكائنات، وأنه لا وجود لغيره، لا بمعنى أن قيام الأشياء
    به ووجودها به لكنهم يريدون أنه عين الموجودات، فهذا كفر (*) وضلال).

    تجاوزات بعض المنتسبين إلى الصوفية في الوقت الحاضر:

    ـ من أبرز المظاهر الشركية التي تؤخذ على الصوفية ما يلي:
    1 ـ الغلو (*) في الرسول.
    2 ـ الحلول (*) والاتحاد (*).
    3 ـ وحدة الوجود.
    4ـ الغلو في الأولياء.
    5ـ الادعاءات الكثيرة الكاذبة، كادعائهم عدم انقطاع الوحي (*) وما لهم من المميزات في الدنيا والآخرة.
    6ـ ادعاؤهم الانشغال بذكر الله عن التعاون لتحكيم شرع الله (*) والجهاد (*)
    في سبيله، مع ما كان لقلة منهم من مواقف طيبة ضد الاستعمار.
    7ـ كثيراً ما يتساهل بعض المحسوبين على التصوف في التزام أحكام الشرع.
    8ـ طاعة المشايخ والخضوع لهم، والاعتراف بذنوبهم بين أيديهم، والتمسح بأضرحتهم بعد مماتهم.
    9ـ تجاوزات كثيرة ما أنزل الله بها من سلطان، في هيئة ما يسمونه الذكر، وهو
    هزّ البدن والتمايل يميناً وشمالاً، وذكر كلمة الله في كل مرة مجرَّدة،
    والادعاء بأن المشايخ مكشوفٌ عن بصيرتهم، ويتوسلون بهم لقضاء حوائجهم،
    ودعاؤهم بمقامهم عند الله في حياتهم وبعد مماتهم.

    عزوز أبو أميمة الحسني
    المدير العام

    عدد المساهمات : 775
    تاريخ التسجيل : 07/06/2010
    الموقع : بلاد ا لاسلام

    رد: الملف الشامل للصوفية

    مُساهمة من طرف عزوز أبو أميمة الحسني في الخميس أكتوبر 25, 2012 5:09 pm

    الجذور الفكرية والعقائدية:

    ـ إن المجاهدات الصوفية إنما ترجع إلى زمن سحيق في القدم من وقت أن شعر الإنسان بحاجة إلى رياضة نفسه ومغالبة أهوائه.

    ـ لا شك أن ما يدعو إليه الصوفية من
    الزهد، والورع والتوبة والرضا … إنما هي أمور من الإسلام، وأن الإسلام
    يحثُّ على التمسك بها والعمل من أجلها، ولكن الصوفية في ذلك يخالفون ما دعا
    إليه الإسلام حيث ابتدعوا مفاهيم وسلوكيات لهذه المصطلحات (*) مخالفة لما
    كان عليه الرسول (*) صلى الله عليه وسلم وصحابته.


    لكن الذي وصل إليه بعضهم من الحلول
    (*) والاتحاد (*) والفناء (*)، وسلوك طريق المجاهدات الصعبة، إنما انحدرت
    هذه الأمور إليهم من مصادر دخيلة على الإسلام كالهندوسية والجينية والبوذية
    والأفلاطونية والزرادشتية والمسيحية (*). وقد عبر عن ذلك كثير من الدارسين
    للتصوف منهم:


    ـ المستشرق ميركس، يرى أن التصوف إنما جاء من رهبانية (*) الشام.

    ـ المستشرق جونس يرده إلى فيدا الهنود.

    ـ نيكولسون، يقول بأنه وليدٌ لاتحاد
    الفكر اليوناني والديانات (*) الشرقية، أو بعبارة أدق: وليد لاتحاد الفلسفة
    (*) الأفلاطونية الحديثة والديانات المسيحية والمذهب (*) الغنوصي (*).


    ـ إن السقوط في دائرة العدمية بإسقاط
    التكاليف (*) وتجاوز الأمور الشرعية إنما هو أمر عرفته البرهمية حيث يقول
    البرهمي: (حيث أكون متحداً مع برهماً لا أكون مكلفاً بعمل أو فريضة).


    ـ قول الحلاج في الحلول، وقول ابن عربي في الإنسان الكامل يوافق مذهب النصارى في عيسى عليه السلام.

    ـ لقد فتح التصوفُ المنحرفُ باباً
    واسعاً دخلت منه كثير من الشرور على المسلمين مثل التواكل، والسلبية،
    وإلغاء شخصية الإنسان، وتعظيم شخصية الشيخ، فضلاً عن كثير من الضلالات
    والبدع (*) التي تُخرج صاحبها من الإسلام.
    الانتشار ومواقع النفوذ:

    انتشر التصوف على مدار الزمان وشمل معظم
    العالم الإسلامي، وقد نشأت فرقهم وتوسعت في مصر والعراق وشمال غرب أفريقيا،
    وفي غرب ووسط وشرق آسيا.


    لقد تركوا أثراً في الشعر والنثر وفنون الغناء والإنشاد، وكانت لهم آثار في إنشاء الزوايا والتكايا.

    لقد كان للروحانية الصوفية أثر في جذب الغربيين
    الماديين إلى الإسلام، ومن أولئك مارتن لنجز الذي يقول: (إنني أوروبي وقد
    وجدت خلاص روحي ونجاتها في التصوف). على أن اهتمام الغربيين ومراكز
    الاستشراق في الجامعات الغربية والشرقية بالتصوف يدعو إلى الريبة،
    فبالإضافة إلى انجذاب الغربيين إلى روحانية التصوف وإعجابهم بالمادة
    الغزيرة التي كتبت عن التصوف شرحاً وتنظيراً، فإن هناك أسباباً أخرى
    لاهتمام المستشرقين والمؤسسات الأكاديمية والغربيين بصفة عامة بالتصوف، من
    هذه الأسباب:


    ـ إبراز الجانب السلبي الاستسلامي الموجود في التصوف وتصويره على اعتبار أنه الإسلام.

    ـ موافقة التصوف للرهبانية (*) المسيحية (*) واعتباره امتداداً لهذا التوجه.

    ـ ميل منحرفي المتصوفة إلى قبول الأديان (*) جميعاً،
    واعتبارها وسيلة للتربية الروحية، وقد وُجِد في الغرب من يعتبر نفسه
    متصوفاً، ويستعمل المصطلحات (*) وبعض السلوكيات الإسلامية دون أن يكون
    مسلماً، وذلك من بين أتباع اليهودية والمسيحية والبوذية وغيرها من الأديان.


    ـ تجسيم الصراع بين فقهاء الإسلام ومنحرفي المتصوفة على أنها هي السمة الغالبة في العقيدة والفقه الإسلاميين.

    ـ تراجعت الصوفية وذلك ابتداءً من نهاية القرن
    التاسع عشر ومطلع القرن العشرين ولم يعد لها ذلك السلطان الذي كان لها فيما
    قبل، وذلك بالرغم من دعم بعض الدول الإسلامية للتصوف كعامل مُثبِّط
    لتطلعات المسلمين في تطبيق الإسلام القائم على دعوة الكتاب والسنة .


    عزوز أبو أميمة الحسني
    المدير العام

    عدد المساهمات : 775
    تاريخ التسجيل : 07/06/2010
    الموقع : بلاد ا لاسلام

    رد: الملف الشامل للصوفية

    مُساهمة من طرف عزوز أبو أميمة الحسني في الخميس أكتوبر 25, 2012 5:11 pm


    قصص وخرافات صوفية

    هناك الكثير من القصص الخرافية
    التي يدندن حولها الصوفية بجميع طرقها والتي يتبعها ألوف العوام، وينسبون
    فيها أشياء من خصائص الله لمشايخهم، والله العظيم أنا قرأت كتاباً لوكيل
    كلية أصول الدين، وهو شيخ طريقة صوفية يقول: إن جده كان يحيي الموتى..
    وقال: من أراد أن يتأكد فليذهب إلى قسم شرطة كذا بمحافظة الشرقية في الورقة
    الفلانية في الملف الفلاني، شخص قُتل، ثم عجزوا أن يعرفوا من القاتل، فجاء
    جدي رضي الله عنه فأحياه، فقال: قتلني فلان، ثم مات.. ما شاء الله! مكتوب
    في ملف للشرطة كأنه في الزبور.. قرآن نزل..! نصدق نحن هؤلاء؟!

    لو أقسم على المصحف -وهو كلام
    الله عز وجل وصفة من صفاته- أنه رأى ذلك لأقسمت بالله عز وجل أنه كاذب، هذا
    شيء يقطع به. وقد أقسم لي جماعة -وهم عند علماء الحديث يبلغون حد التواتر،
    أكثر من عشرة، لكن لا قيمة لاجتماعهم؛ لأن الناقل لابد له من الثقة
    والضبط، وهؤلاء لا نعرف عنهم شيئاً، لكنهم عشرة أو ثلاثون أو أربعون
    -يقولون: إن فلاناً أوصى أن يدفن في بلده، وكان يعيش في غير بلده، فلما مات
    اجتمع أهل الرأي من أهل بيته وقالوا: ليس هناك داع أن نتجشم نقل جثمانه
    إلى بلده، ندفنه هنا. فخالفوا الأمر، فلما أرادوا أن يحملوا نعشه طار
    النعش، حتى إنهم جميعاً خلعوا أحذيتهم ليجروا خلفه، وذهب إلى قبر لم يكن
    فتحوه -هم فتحوه ليدفنوه هنا فحاولوا حمل النعش فتسمَّر في الأرض، وأبى هذا
    الميت أن يدفن إلا في هذا القبر، فلما لم يستطيعوا أن ينقلوه إلى آخر
    دفنوه في ذلك القبر، وأقسموا -جماعتهم- لي أنهم رأوه بعد العشاء يخرج من
    المقبرة في طبل وزمر يتجه إلى بلد أبيه.. نصدق هؤلاء وهم يقسمون بالله
    العظيم أنهم رأوا، ما أخبرهم أحد، ونحن نعلم أن الشياطين تلبس كثيراً، وكما
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (قد تحمل الشياطين بعض نعش الموتى ليفتتن به بعض الناس كنوع من الفتنة). ولكن نقول: ضعوا أي نعش لأي ولي تزعمون في سيارة، فإن طار بها فأنتم صادقون، لماذا لا يطير إلا على أكتافكم..؟

    حدثني أخي -وكان قديماً أحد
    الذين يروجون مثل هذه الخرافات- قال: مات فلان وهو رجل مدفون وله قبة، فقال
    ابنه الخليفة: لا يحمل في المحمل فلان.. لماذا؟ لأن فلاناً هذا إذا حمل
    فإن النعش له يمشي، والذين كانوا يحملونه طبخوها بالليل، فقالوا: يا
    إخواننا! نحن عندما نمشي سنقع، لازم نجري، هو الذي يأخذنا. فأراد ذلك الرجل
    أن يثبت كذب هذه الدعوى، فحمل في محمل سابق، فكان يمشي هكذا، هم يشدونه
    وهو يرجع القهقرى. فقال ابنه الخليفة: لا يحمل في المحمل فلان. لأنهم
    طبخوها. هناك من يصدق هذه الترهات، بالله عليكم أهذه أقوى أم التي سقتها
    وأتيت لها بدليل من البخاري ؟ كل باطل تقدر على أن ترده، فما اجتمع الباطل
    وصار كتلةً إلا نقطة بنقطة، وما السيل إلا من اجتماع القطر، ولا تستهن
    بصغيرة إن الجبال من الحصا. رجل أراد أن يفسر قول الله تبارك وتعالى
    بالتفسير العصري، فقال في قوله تبارك وتعالى: ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ) [النور:30]

    قال: هذا للذي ينظر بشهوة، أما
    إذا نظر رجل إلى جمال امرأة ليقول: سبحان الخالق العظيم، فلا جناح عليه..
    ما شاء الله! يتأمل في جمال امرأة! يا أعمى! ( وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ ) [الذاريات:21]

    كيف عميت عن نفسك وأنت مثلها في
    الخلق حتى تقول: إذا نظر وقال: الله الله! فهذا يؤجر، فهذا لا يدخل في
    الآية، ولا نستبعد أن يكون هناك من ركنوا إلى هذه وقالوا: والله الرجل هذا
    عالم، مفسر، بخلاف أولئك الجامدين الذين يعنتوننا، كيف لا نستمتع بهذا
    الجمال؟

    وما الفرق بين المرأة وبين زهرة في البستان؟
    إذا كنتم تحرمون النظر إلى
    المرأة فحرموا النظر إلى الزهور.. انظروا إلى القياس الفاسد! كالذي قال:
    الموسيقى حلال كما أنك تستمتع بصوت العصافير والبلابل، وإذا جاءت الريح على
    الشجر سمعت موسيقى، وهذه ليست حرام، فهذه أيضاً ليست حرام. هذا قياس إبليس
    إذ قاس الطين على النار، وما علم أن الطين مادة الحياة، وأن النار أصل كل
    خراب، الطين هو النماء، وهو الخضرة، وهو الإنسان، والنار خراب ودمار وحر،
    فكيف يقيس هذا على ذاك..؟!

    نسأل الله عز
    وجل أن يغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، اللهم ثبت أقدامنا، وانصرنا
    على القوم الكافرين. اللهم آت هذه الأمة أمراً رشداً، يعز فيه أهل طاعتك،
    ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر. اللهم آت
    نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم اغفر لنا
    هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.



    كتاب التّـصًـوُّف
    سُئِلَ شيخ الإسلام ـ عن ‏(‏الصوفية‏)‏


    سُئِلَ شيخ الإسلام ـ عن ‏(‏الصوفية‏)‏ وأنهم أقسام و‏(‏الفقراء‏)‏ أقسام، فما صفة كل قسم‏؟‏ وما يجب عليه ويستحب له أن يسلكه ‏؟
    فأجاب ‏:‏
    الحمد للّه‏.‏أما لفظ ‏(‏الصوفية‏)‏‏:‏ فإنه لم يكن مشهورًا في القرون
    الثلاثة، وإنما اشتهر التكلم به بعد ذلك، وقد نقل التكلم به عن غير واحد من
    الأئمة والشيوخ؛ كالإمام أحمد ابن حنبل، وأبي سليمان الداراني، وغيرهما‏.‏
    وقد روى عن سفيان الثوري أنه تكلم به، وبعضهم يذكر ذلك عن الحسن البصري،
    وتنازعوا في المعنى الذي أضيف إليه الصوفي، فإنه من أسماء النسب؛ كالقرشي،
    والمدني، وأمثال ذلك‏.‏
    فقيل‏:‏ إنه نسبة إلى ‏(‏أهل الصفة‏)‏ وهو غلط؛ لأنه لو كان كذلك لقيل‏:‏ صُفِّيّ‏.‏ وقيل‏:‏ نسبة إلى الصف المقدم بين يدي اللّه، وهو أيضًا غلط؛ فإنه لو كان كذلك لقيل‏:‏ صَفِّيّ‏.‏ وقيل‏:‏ نسبة إلى الصفوة من خلق اللّه وهو غلط؛ لأنه لو كان كذلك لقيل‏:‏ صفوي‏.‏ وقيل‏:‏
    نسبة إلى صوفـة بن بشر بن أدِّ بن طابخـة، قبيلة من العرب كانوا يجاورون
    بمكة من الزمن القديم، ينسب إليهم النساك، وهذا وإن كان موافقًا للنسب من
    جهة اللفظ، فإنه ضعيف أيضًا؛ لأن هؤلاء غير مشهورين، ولا معروفين عند أكثر
    النساك، ولأنه لو نسب النساك إلى هؤلاء لكان هذا النسب في زمن الصحابة
    والتابعين وتابعيهم أولى، ولأن غالب من تكلم باسم ‏(‏الصوفى‏)‏ لا يعرف هذه
    القبيلة، ولا يرضى أن يكون مضافًا إلى قبيلة في الجاهلية لا وجود لها في
    الإسلام‏.‏
    وقيل ـ وهو المعروف ـ ‏:‏ إنه نسبة إلى لبس
    الصوف؛ فإنه أول ما ظهرت الصوفية من البصرة، وأول من بنى دويرة الصوفية بعض
    أصحاب عبد الواحد بن زيد‏[‏عبد الواحد بن زيد أبو عبيدة البصرى شيخ
    الصوفية وواعظهم، لحق الحسن البصرى وغيره‏.‏ قال البخارى‏:‏ تركوه‏.‏ وقال
    النسائى‏:‏ متروك الحديث‏.‏ وقال الجوزجانى‏:‏ سيئ المذهب، ليس من معادن
    الصدق‏.‏ توفى بعد الخمسين ومائة من الهجرة‏.‏ ‏[‏ سير أعلام النبلاء 7178 ـ
    180، ميزان الاعتدال 2372، 376‏]‏‏.‏
    وعبد الواحد من أصحاب الحسن، وكان فى البصرة من المبالغة فى الزهد والعبادة
    والخوف ونحو ذلك، مالم يكن في سائر أهل الأمصار؛ ولهذا كان يقال ‏:‏ فقه
    كوفي، وعبادة بصرية‏.‏ وقد روى أبو الشيخ الأصبهاني بإسناده عن محمد بن
    سيرين أنه بلغه أن قوما يفضلون لباس الصوف، فقال‏:‏ إن قوما يتخيرون الصوف،
    يقولون‏:‏ أنهم متشبهون بالمسيح ابن مريم، وهدي نبينا أحب إلينا، وكان
    النبي صلى الله عليه وسلم يلبس القطن وغيره، أو كلاما نحوا من هذا‏.‏
    ولهذا غالب ما يحكي من المبالغة في هذا الباب إنما هو عن عباد أهل البصرة، مثل حكاية من مات أو غشى عليه في سماع القرآن، ونحوه‏.‏


    كقصة زرارة بن أوفى قاضي البصرة فإنه قرأ في صلاة الفجر‏:‏ ‏{‏فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ‏}‏ ‏[‏ المدثر‏:‏ 8 ‏]‏
    فخر ميتا، وكقصة أبي جهير الأعمى الذي قرأ عليه صالح المري فمات، وكذلك
    غيره ممن روى أنهم ماتوا باستماع قراءته، وكان فيهم طوائف يصعقون عند سماع
    القرآن، ولم يكن في الصحابة من هذا حاله؛ فلما ظهر ذلك أنكر ذلك طائفة من
    الصحابة والتابعين‏:‏ كأسماء بنت أبي بكر، وعبد اللّه بن الزبير، ومحمد بن
    سيرين، ونحوهم ‏.‏


    والمنكرون لهم مأخذان‏:‏
    منهم من ظن ذلك تكلفا وتصنعا‏.‏ يذكر عن محمد بن سيرين
    أنه قال‏:‏ ما بيننا وبين هؤلاء الذين يصعقون عند سماع القرآن إلا أن يقرأ
    على أحدهم وهو على حائط فإن خر فهو صادق‏.‏
    ومنهم من أنكر ذلك لأنه رآه بدعة مخالفا لما عرف من هدى الصحابة، كما نقل عن أسماء، وابنهاعبد اللّه‏.‏

    والذي عليه جمهور العلماء أن الواحد من هؤلاء إذا كان مغلوبا عليه لم ينكر
    عليه، وإن كان حال الثابت أكمل منه؛ ولهذا لما سئل الإمام أحمد عن هذا‏.‏
    فقال‏:‏ قرئ القرآن على يحيى بن سعيد القطان فغشي عليه ولو قدر أحد أن يدفع هذا عن نفسه لدفعه يحيى ابن سعيد، فما رأيت أعقل منه، ونحو هذا‏.‏ وقد نقل عن الشافعي أنه أصابه ذلك، وعلي بن الفضيل بن عياض قصته مشهورة، وبالجملة فهذا كثير ممن لا يستراب في صدقه‏.‏
    لكن الأحوال التي كانت في الصحابة هي المذكورة في القرآن، وهي وجل القلوب، ودموع العين، واقشعرار الجلود، كما قال تعالى‏:‏
    ‏{‏إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ
    قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا
    وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 2‏]‏
    وقال تعالى‏:‏ ‏{‏اللَّهُ
    نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ
    تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ
    جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 23‏]‏‏.
    ‏ وقال تعَالى‏:‏ ‏{‏إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِم آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا‏}‏‏[‏مريم‏:‏ 58‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَإِذَا
    سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ
    الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ‏}‏‏[‏المائدة‏:‏ 83 ‏]‏
    وقال‏:‏ ‏{‏وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 109‏]‏‏.‏
    وقد يذم حال هؤلاء من فيه من قسوة القلوب والرين عليها، والجفاء عن الدين،
    ماهو مذموم، وقد فعلوا، ومنهم من يظن أن حالهم هذا أكمل الأحوال وأتمها
    وأعلاها، وكلا طرفي هذه الأمور ذميم‏.‏


    بل المراتب ثلاث‏:‏
    أحدها‏:‏ حال الظالم لنفسه الذي هو قاسي القلب، لا يلين للسماع والذكر، وهؤلاء فيهم شبه من اليهود‏.‏ قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏ثُمَّ
    قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ
    قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ
    وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ
    مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ
    عَمَّا تَعْمَلُونَ‏}‏ ‏[‏ البقرة‏:‏ 74 ‏]‏
    وقال تعالى‏:‏
    ‏{‏أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ
    اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا
    الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ
    وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ‏}‏ ‏[‏ الحديد‏:‏ 16‏]‏
    ‏.‏
    والثانية‏:‏ حال المؤمن التقي الذي فيه ضعف عن
    حمل ما يرد على قلبه، فهذا الذي يصعق صعق موت، أو صعق غشي، فإن ذلك إنما
    يكون لقوة الوارد، وضعف القلب عن حمله، وقد يوجد مثل هذا في من يفرح أو
    يخاف أو يحزن أو يحب أمورا دنيوية، يقتله ذلك أو يمرضه أو يذهب بعقله‏.‏
    ومن عباد الصور من أمرضه العشق أو قتله أو جننه، وكذلك في غيره، ولا يكون
    هذا إلا لمن ورد عليه أمر ضعفت نفسه عن دفعه، بمنزلة ما يرد على البدن من
    الأسباب التي تمرضه أو تقتله، أو كان أحدهم مغلوبا على ذلك‏.‏
    فإذا كان لم يصدر منه تفريط ولا عدوان، لم يكن فيه ذنب فيما أصابه، فلا وجه
    للريبة‏.‏ كمن سمع القرآن السماع الشرعي، ولم يفرط بترك ما يوجب له ذلك،
    وكذلك ما يرد على القلوب مما يسمونه السكر والفنا، ونحو ذلك من الأمور التي
    تغيب العقل بغير اختيار صاحبها؛ فإنه إذا لم يكن السبب محظورا لم يكن
    السكران مذموما، بل معذورا فإن السكران بلا تمييز، وكذلك قد يحصل ذلك
    بتناول السكر من الخمر والحشيشة فإنه يحرم بلانزاع بين المسلمين، ومن استحل
    السكر من هذه الأمور فهو كافر، وقد يحصل بسبب محبة الصور وعشقها كما
    قيل‏:‏
    سكران‏:‏ سكر هوى، وسكر مدامة**ومــتى إفاقــة من به سكـــــران
    وهذا مذموم، لأن سببه محظور، وقد يحصل بسبب سماع الأصوات المطربة التي تورث
    مثل هذا السكر، وهذا أيضًا مذموم، فإنه ليس للرجل أن يسمع من الأصوات التي
    لم يؤمر بسماعها ما يزيل عقله؛ إذ إزالة العقل محرم‏.‏ ومتي أفضى إليه سبب
    غير شرعي كان محرما، وما يحصل في ضمن ذلك من لذة قلبية أو روحية، ولو
    بأمور فيها نوع من الإيمان، فهي مغمورة بما يحصل معها من زوال العقل، ولم
    يأذن لنا اللّه أن نمتع قلوبنا ولا أرواحنا من لذات الإيمان ولا غيرها بما
    يوجب زوال عقولنا؛ بخلاف من زال عقله بسبب مشروع، أو بأمر صادفه لا حيلة له
    في دفعه‏.‏
    وقد يحصل السكر بسبب لا فعل للعبد فيه، كسماع لم يقصده يهيج قاطنه، ويحرك
    ساكنه، ونحو ذلك‏.‏ وهذا لا ملام عليه فيه، وما صدر عنه في حال زوال عقله
    فهو فيه معذور؛ لأن القلم مرفوع عن كل من زال عقله بسبب غير محرم، كالمغمي
    عليه والمجنون ونحوهما‏.‏
    ومن زال عقله بالخمر‏.‏ فهل هو مكلف حال زوال عقله‏؟‏ فيه قولان مشهوران،
    وفي طلاق من هذه حاله نزاع مشهور، ومن زال عقله بالبنج يلحق به، كما يقوله
    من يقوله من أصحاب الشافعي وأحمد، وقيل يفرق بينه وبين الخمر؛ لأن هذا
    يشتهي، وهذا لا يشتهي؛ ولهذا أوجب الحد في هذا دون هذا، وهذا هو المنصوص عن
    أحمد ومذهب أبي حنيفة‏.‏
    ومن هؤلاء من يقوى عليه الوارد حتى يصير مجنونًا، إما بسبب خلط يغلب عليه،
    وإما بغير ذلك، ومن هؤلاء عقلاء المجانين الذين يعدون في النساك، وقد يسمون
    المولهين ‏[‏المولهين‏:‏ الوَلهُ‏:‏ الحزن، وقيل‏:‏ هو ذهاب العقل والتحير من شدة الوجد أو الحزن‏.‏‏‏]‏‏.‏ قال فيهم بعض العلماء‏:‏ هؤلاء قوم أعطاهم اللّه عقولًا وأحوالًا؛ فسلب عقولهم، وأسقط ما فرض بما سلب‏.‏
    فهذه الأحوال التي يقترن بها الغشي أو الموت أو الجنون أو السكر أو الفناء
    حتى لا يشعر بنفسه ونحو ذلك، إذا كانت أسبابها مشروعة وصاحبها صادقا عاجزا
    عن دفعها كان محمودا على ما فعله من الخير وما ناله من الإيمان، معذورا
    فيما عجز عنه وأصابه بغير اختياره وهم أكمل ممن لم يبلغ منزلتهم لنقص
    إيمانهم وقسوة قلوبهم ونحو ذلك من الأسباب التي تتضمن ترك ما يحبه اللّه أو
    فعل ما يكرهه اللّه‏.‏


    ولكن
    من لم يزل عقله، مع أنه قد حصل له من الإيمان ما حصل لهم أو مثله أو أكمل
    منه فهو أفضل منهم‏.‏ وهذه حال الصحابة ـ رضي اللّه عنهم ـ وهو حال نبينا
    صلى الله عليه وسلم فإنه أسرى به إلى السماء وأراه اللّه ما أراه، وأصبح
    كبائت لم يتغير عليه حاله، فحاله أفضل من حال موسى صلى الله عليه وسلم الذي
    خر صعقا لما تجلى ربه للجبل وحال موسى حال جليلة علية فاضلة، لكن حال محمد
    صلى الله عليه وسلم أكمل وأعلا وأفضل‏.‏

    والمقصود‏:‏ أن هذه الأمور التي فيها زيادة في العبادة والأحوال خرجت من
    البصرة، وذلك لشدة الخوف، فإن الذي يذكرونه من خوف عتبة الغلام وعطاء
    السليمي وأمثالهما أمر عظيم‏.‏ ولا ريب أن حالهم أكمل وأفضل ممن لم يكن
    عنده من خشية اللّه ما قابلهم أو تفضل عليهم‏.‏ ومن خاف اللّه خوفا مقتصدا
    يدعوه إلى فعل ما يحبه اللّه وترك ما يكرهه اللّه من غير هذه الزيادة فحاله
    أكمل وأفضل من حال هؤلاء، وهو حال الصحابة رضي اللّه عنهم وقد روى‏:‏ أن
    عطاء السليمي - رضي اللّه عنه - رؤى بعد موته فقيل له‏:‏ مافعل اللّه
    بك‏؟‏ فقال‏:‏ قال لي‏:‏ ياعطاء‏!‏ أما استحيت مني أن تخافني كل هذا‏؟‏‏!‏
    أما بلغك أني غفور رحيم‏؟‏‏!‏‏.‏

    وكذلك ما يذكر عن أمثال هؤلاء من الأحوال من الزهد والورع والعبادة وأمثال
    ذلك قد ينقل فيها من الزيادة على حال الصحابة رضي اللّه عنهم وعلى ما سنه
    الرسول أمور توجب أن يصير الناس طرفين ‏:‏
    قوم يذمون هؤلاء وينتقصونهم وربما أسرفوا في ذلك‏.‏
    وقوم يغلون فيهم ويجعلون هذا الطريق من أكمل الطرق وأعلاها‏.‏
    والتحقيق أنهم في هذه العبادات والأحوال مجتهدون كما كان جيرانهم من أهل
    الكوفة مجتهدين في مسائل القضاء والإمارة ونحو ذلك‏.‏ وخرج فيهم الرأي الذي
    فيه من مخالفة السنة ما أنكره جمهور الناس‏.‏


    وخيار الناس من ‏(‏أهل الفقه والرأي‏)‏ في أولئك الكوفيين على طرفين‏:‏
    قوم يذمونهم ويسرفون فى ذمهم ‏.‏
    وقوم يغلون في تعظيمهم ويجعلونهم أعلم بالفقه من غيرهم وربما فضلوهم على
    الصحابة‏.‏ كما أن الغلاة في أولئك العباد قد يفضلونهم على الصحابة، وهذا
    باب يفترق فيه الناس‏.‏
    والصواب‏:‏للمسلم أن يعلم أن
    خيرالكلام كلام اللّه، وخير الهدى هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وخير
    القرون القرن الذي بعث فيهم، وأن أفضل الطرق والسبل إلى اللّه ما كان عليه
    هو وأصحابه، ويعلم من ذلك أن على المؤمنين أن يتقوا اللّه بحسب اجتهادهم
    ووسعهم، كما قال اللّه تعالى‏:‏
    ‏{‏فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ‏}‏ ‏[‏ التغابن ‏:‏ 16 ‏]‏ وقال صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم‏)‏، وقال‏:‏ ‏{‏لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 285‏]‏‏.وإن
    كثيرا من المؤمنين - المتقين أولياء اللّه - قد لا يحصل لهم من كمال العلم
    والإيمان ماحصل للصحابة، فيتقى اللّه ما استطاع ويطيعه بحسب اجتهاده،
    فلابد أن يصدر منه خطأ إما في علومه وأقواله وإما في أعماله وأحواله،
    ويثابون على طاعتهم ويغفر لهم خطاياهم؛ فإن اللّه تعالى قال‏:‏
    {‏آمَنَ
    الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ
    آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ
    أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ
    رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا لاَ
    تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا‏}‏ ‏[‏ البقرة‏:‏ 285، 286 ‏]
    قال اللّه تعالى‏:‏ قد فعلت‏.‏
    فمن جعل طريق أحد من العلماء والفقهاء، أو طريق أحد من العباد والنساك أفضل
    من طريق الصحابة فهو مخطئ، ضال مبتدع، ومن جعل كل مجتهد في طاعة أخطأ في
    بعض الأمور مذموما معيبا ممقوتا، فهو مخطئ ضال مبتدع‏.‏
    ثم الناس في الحب والبغض والموالاة والمعاداة هم أيضا مجتهدون، يصيبون
    تارة، ويخطئون تارة،وكثير من الناس إذا علم من الرجل ما يحبه، أحب الرجل
    مطلقا، وأعرض عن سيئاته، وإذا علم منه ما يبغضه أبغضه مطلقا، وأعرض عن
    حسناته، محاط وحال من يقول بالتحافظ وهذا من أقوال أهل البدع والخوارج
    والمعتزلة والمرجئة‏.‏


    وأهل السنة والجماعة يقولون ما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع وهو أن
    المؤمن يستحق وعد اللّه وفضله الثواب على حسناته، ويستحق العقاب على
    سيئاته، وإن الشخص الواحد يجتمع فيه ما يثاب عليه، وما يعاقب عليه، وما
    يحمد عليه وما يذم عليه، وما يحب منه وما يبغض منه، فهذا هذا‏.‏
    وإذا عرف أن منشأ ‏(‏التصوف‏)‏ كان من البصرة، وأنه كان فيها من يسلك طريق
    العبادة والزهد، مما له فيه اجتهاد، كما كان في الكوفة من يسلك من طريق
    الفقه والعلم ماله فيه اجتهاد، وهؤلاء نسبوا إلى اللبسة الظاهرة، وهي لباس
    الصوف‏.‏ فقيل في أحدهم‏:‏ ‏(‏صوفي‏)‏ وليس طريقهم مقيدا بلباس الصوف، ولا هم أوجبوا ذلك ولا علقوا الأمر به، لكن أضيفوا إليه لكونه ظاهر الحال‏.‏
    ثم‏(‏التصوف‏)‏ عندهم له حقائق وأحوال معروفة قد تكلموا في حدوده وسيرته وأخلاقه، كقول بعضهم‏:‏ ‏(‏الصوفي‏)
    من صفا من الكدر، وامتلأ من الفكر، واستوى عنده الذهب والحجر‏.‏ التصوف
    كتمان المعاني، وترك الدعاوي‏.‏ وأشباه ذلك‏:‏ وهم يسيرون بالصوفي إلى معنى
    الصديق، وأفضل الخلق بعد الأنبياء الصديقون‏.‏ كما قـال اللّــه
    تعالــى‏:‏ ‏{‏فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ
    اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء
    وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 69‏]

    ولهذا ليس عندهم بعد الأنبياء أفضل من الصوفي؛ لكن هو في الحقيقة نوع من
    الصديقين، فهو الصديق الذي اختص بالزهد والعبادة على الوجه الذي اجتهدوا
    فيه، فكان الصديق من أهل هذه الطريق، كما يقال‏:‏ صديقوا العلماء، وصديقوا الأمراء، فهو أخص من الصديق المطلق، ودون الصديق الكامل الصديقية من الصحابة والتابعين وتابعيهم‏.‏
    فإذا قيل عن أولئك الزهاد والعباد من البصريين‏:‏ إنهم صديقون فهو كما يقال عن أئمة الفقهاء من أهل الكوفة أنهم صديقون أيضًا،
    كل بحسب الطريق الذي سلكه من طاعة اللّه ورسوله بحسب اجتهاده وقد يكونون
    من أجلِّ الصديقين بحسب زمانهم، فهم من أكمل صديقي زمانهم، والصديق في
    العصر الأول أكمل منهم، والصديقون درجات وأنواع؛ ولهذا يوجد لك منهم صنف من
    الأحوال والعبادات، حققه وأحكمه وغلب عليه، وإن كان غيره في غير ذلك الصنف
    أكمل منه وأفضل منه‏.‏


    ولأجل ما وقع في كثير منهم من الاجتهاد والتنزع فيه تنازع الناس في طريقهم؛ فطائفة ذمت ‏(‏الصوفية والتصوف‏)‏‏.
    وقالوا‏:‏ إنهم مبتدعون، خارجون عن السنة، ونقل عن طائفة من الأئمة في ذلك
    من الكلام ما هو معروف، وتبعهم على ذلك طوائف من أهل الفقه والكلام‏.‏
    وطائفة غلت فيهم، وادعوا أنهم أفضل الخلق، وأكملهم بعد الأنبياء وكلا طرفي هذه الأمور ذميم‏.‏


    و‏(‏الصواب‏)‏
    أنهم مجتهدون في طاعة اللّه، كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة اللّه، ففيهم
    السابق المقرب بحسب اجتهاده، وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين، وفي كل
    من الصنفين من قد يجتهد فيخطئ، وفيهم من يذنب فيتوب أو لا يتوب‏.‏
    ومن المنتسبين إليهم من هو ظالم لنفسه، عاص لربه‏.‏
    وقد انتسب إليهم طوائف من أهل البدع والزندقة؛ ولكن عند المحققين من أهل
    التصوف ليسوا منهم‏:‏ كالحلاج مثلا؛ فإن أكثر مشائخ الطريق أنكروه، وأخرجوه
    عن الطريق‏.‏ مثل‏:‏ الجنيد بن محمد سيد الطائفة وغيره‏.‏ كما ذكر ذلك
    الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي؛ في ‏(‏طبقات الصوفية‏)‏ وذكره الحافظ أبو بكر
    الخطيب في تاريخ بغداد‏.‏
    فهذا أصل التصوف‏.‏ ثم أنه بعد ذلك تشعب وتنوع، وصارت الصوفية ‏(‏ثلاثة أصناف‏)‏‏:‏ صوفية الحقائق وصوفية الأرزاق وصوفية الرسم‏.‏
    فأما ‏(‏صوفية الحقائق‏)‏‏:‏ فهم الذين وصفناهم‏.‏
    وأما ‏(‏صوفية الأرزاق‏)‏ فهم الذين وقفت عليهم
    الوقوف‏.‏ كالخوانك فلا يشترط في هؤلاء أن يكونوا من أهل الحقائق‏.‏فإن هذا
    عزيز وأكثر أهل الحقائق لا يتصفون بلزوم الخوانك؛ ولكن يشترط فيهم ثلاثة
    شروط‏:‏
    (‏أحدها‏)‏‏:‏ العدالة الشرعية بحيث يؤدون الفرائض ويجتنبون المحارم‏.‏
    و‏(‏الثاني‏)‏‏:‏ التأدب بآداب أهل الطريق،وهي الآداب الشرعية في غالب الأوقات، وأما الآداب البدعية الوضعية فلا يلتفت إليها‏.‏
    و‏(‏الثالث‏)‏‏:‏ أن
    لا يكون أحدهم متمسكًا بفضول الدنيا، فأما من كان جماعا للمال، أو كان غير
    متخلق بالأخلاق المحمودة، ولا يتأدب بالآداب الشرعية، أو كان فاسقا فإنه
    لا يستحق ذلك‏.‏

    وأما صوفية الرسم‏:‏ فهم المقتصرون على
    النسبة،فهمهم في اللباس والآداب الوضعية، ونحو ذلك فهؤلاء في الصوفية
    بمنزلة الذي يقتصر على زي أهل العلم وأهل الجهاد ونوع مَّا من أقوالهم
    وأعمالهم بحيث يظن الجاهل حقيقة أمره أنه منهم وليس منهم‏.‏


    وأما اسم ‏(‏الفقير‏)‏‏:
    فإنه موجود في كتاب اللّه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لكن المراد به
    في الكتاب والسنة الفقير المضاد للغني‏.‏ كما قال النبي صلى الله عليه
    وسلم‏.‏


    و‏(‏الفقراء والفقر‏)‏ أنواع‏:‏ فمنه المسوغ لأخذ الزكاة‏.‏ وضده الغني المانع لأخذ الزكاة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا تحل الصدقة لغني ولا لقوي مكتسب‏)
    والغني الموجب للزكاة غير هذا عند جمهور العلماء‏.‏ كمالك والشافعي
    وأحمد،وهو ملك النصاب وعندهم قد تجب على الرجل الزكاة، ويباح له أخذ الزكاة
    خلافا لأبي حنيفة‏.‏


    واللّه سبحانه قد ذكر
    الفقراء في مواضع؛ لكن ذكر اللّه الفقراء المستحقين للزكاة في آية والفقراء
    المستحقين للفيء في آية‏.‏ فقال في الأولى‏:‏ ‏{‏إِن
    تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا
    الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ‏}‏ ـ إلى قوله‏:‏ ‏{‏لِلْفُقَرَاء
    الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي
    الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ
    تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 271‏:‏
    273‏]‏‏
    .‏ وقال في الثانية‏:‏ ‏{‏مَّا أَفَاء
    اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى‏}‏ الآية إلى قوله‏:‏
    ‏{‏لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ
    وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا
    وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ‏}‏
    ‏[‏الحشر‏:‏ 7-8‏]‏‏.‏

    وهؤلاء ‏[‏الفقراء‏]‏ قد يكون فيهم من هو أفضل من كثير من الأغنياء، وقد يكون من الأغنياء من هو أفضل من كثير منهم‏.‏
    وقد تنازع الناس أيما أفضل‏:‏ الفقير الصابر،أوالغني الشاكر‏؟‏ والصحيح‏:‏
    أن أفضلهما أتقاهما؛ فإن استويا في التقوى استويا في الدرجة كما قد بيناه
    في غير هذا الموضع، فإن الفقراء يسبقون الأغنياء إلى الجنة لأنه لا حساب
    عليهم‏.‏ ثم الأغنياء يحاسبون، فمن كانت حسناته أرجح من حسنات فقير، كانت
    درجته في الجنة أعلى، وإن تأخر عنه في الدخول‏.‏ ومن كانت حسناته دون
    حسناته كانت درجته دونه؛ لكن لما كان جنس الزهد في الفقراء أغلب صار الفقر
    في إصطلاح كثير من الناس عبارة عن طريق الزهد، وهو من جنس التصوف‏.‏
    فإذا قيل‏:‏ هذا فيه فقر أو ما فيه فقر لم يرد به
    عدم المال، ولكن يراد به ما يراد باسم الصوفي من المعارف والأحوال
    والأخلاق، والآداب ونحو ذلك‏.‏
    وعلى هذا الاصطلاح قد تنازعوا أيما أفضل‏:‏ الفقير، أو الصوفي ‏؟‏ فذهب
    طائفة إلي ترجيح الصوفي، كأبي جعفر السهروردي ونحوه، وذهب طائفة إلى ترجيح
    الفقير ـ كطوائف كثيرين ـ وربما يختص هؤلاء بالزوايا وهؤلاء بالخوانك ونحو
    ذلك، وأكثر الناس قد رجحوا الفقير‏.‏
    والتحقيق أن أفضلهما أتقاهما، فإن كان الصوفي أتقى للّه كان أفضل منه، وهو
    أن يكون أعمل بما يحبه اللّه، وأترك لما لايحبه فهو أفضل من الفقير، وإن
    كان الفقير أعمل بما يحبه اللّه وأترك لما لا يحبه كان أفضل منه، فإن
    استويا في فعل المحبوب وترك غير المحبوب استويا في الدرجة‏.‏
    وأولياء اللّه هم المؤمنون المتقون، سواء سمى أحدهم فقيرًا أو صوفيًا أو
    فقيهًا أو عالمًا أو تاجرًا أو جنديًا أو صانعًا أو أميرًا أو حاكمًا أو
    غير ذلك‏.‏
    قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ
    لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ
    وَكَانُواْ يَتَّقُونَ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 62، 63‏]‏‏.‏

    وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏
    ‏(‏يقول اللّه تعالى‏:‏ من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب
    إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى
    أحبه؛ فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ويده التي
    يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي،
    ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله
    ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته، ولابد له منه‏)‏‏.‏
    وهذا الحديث قد بين فيه أولياء اللّه المقتصدين، أصحاب اليمين والمقربين السابقين‏.‏
    فالصنف الأول‏:‏ الذين تقربوا إلى اللّه بالفرائض‏.‏ والصنف الثاني‏:‏ الذي
    تقربوا إليه بالنوافل بعد الفرائض، وهم الذين لم يزالوا يتقربون إليه
    بالنوافل حتى أحبهم، كما قال تعالى‏.‏


    وهذان الصنفان قد ذكرهم اللّه في غير موضع من كتابه كما قال‏:‏ ‏{‏ثُمَّ
    أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا
    فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ
    بِالْخَيْرَاتِ‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 32‏]‏
    وكما قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ
    الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ تَعْرِفُ فِي
    وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ
    خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ
    وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ‏}‏
    ‏[‏المطففين‏:‏ 22-28‏]‏
    قال ابن عباس‏:‏ يشرب بها المقربون صرفا وتمزج لأصحاب اليمين مزجًا‏.‏
    وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا‏}‏ ‏[‏الإنسان‏:‏ 17، 18‏]‏ وقال تعالى‏:‏
    ‏{‏فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ
    الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ
    أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 8-11‏]
    ‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَرَوْحٌ
    وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ أَصْحَابِ
    الْيَمِينِ فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏
    88-91‏]‏‏.

    وهذا الجواب فيه جمل تحتاج إلى تفصيل طويل لم يتسع له هذا الموضع‏.‏ واللّه أعلم‏.‏


    ** مجموع فتاوى بن تيمية - الآداب والتصوف


    _________________
    [وحدهم المديرون لديهم صلاحيات معاينة هذه الصورة]


    [وحدهم المديرون لديهم صلاحيات معاينة هذه الصورة]

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت يونيو 23, 2018 9:27 am